إنه الحدث التاريخي الأبرز في سوريا، وتحديداً في محافظة حلب من دون أن يرتبط الأمر بالمعارك الملتهبة هناك، ولا ببثّ تلفزيون «سما» سهرات طربية من «مريدان حلب» كحالة من التنويع الإعلامي... أول من أمس، خرج محافظ حلب محمد مروان العلبي من وراء مكتبه. فكر طويلاً، وأطال التأمل قبل أن يضرب كفاً بكف ويصرخ «وجدتها».


لقد قرر أن يلتحم مع الشعب و«يذوب مع عامة المواطنين في بوتقة واحدة» كما تملي الجملة الشهيرة في مادة «التربية القومية الاشتراكية»، التي ما زالت ترافق التلميذ السوري حتى الجامعة، لكن كيف للمسؤول الرفيع أن ينصهر مع المواطنين؟ بسيطة، عبر حافلة النقل العام، فصورة واحدة لمشوار في ربوعها كفيل بإيصال الصورة، وترجمة الفكرة بأفضل الطرق.
طبعاً لا تسجَّل الخطوة الخارقة في سجل براءة الاختراع لمحافظ عاصمة الشمال، لأنّ محافظ حمص طلال البرازي، الذي يواجه احتجاجات عنيفة من أهالي المدينة، وصلت إلى حد التظاهرات، التي طالبت برحيله، شدد ذات مرة في أثناء رحلة له على متن إحدى الحافلات العامة، على أهمية إعادة تفعيل حركة باصات النقل الداخلي في مختلف أحياء حمص، بما فيها المدينة القديمة ومحاورها، وعلى إزالة كل العوائق أمام هذا الأمر.

نشر محافظ حلب صورة في
الباص على الفايسبوك

ثم لحق به رئيس الحكومة محمد وائل الحلقي، وخاض المغامرة عندما جال على الأفران ومحطات الوقود واعتلى حافلات النقل العامة في دمشق.
أما الحدث الذي تسيّد المشهد الافتراضي السوري خلال اليومين الماضيين، فكان صورة نشرها العلبي على صفحته على الفايسبوك حيث أطلّ علينا في حافلة عامة. وذيّل الصورة بشرح قال فيه: «تفقدنا اليوم واقع عمل باصات النقل الداخلي وتحاورنا مع المواطنين حول سوية خدمات النقل الداخلي وملاحظاتهم. واستمعنا منهم إلى آراء ومقترحات وملاحظات مهمة، وأكدنا لهم حرصنا على تأمين خدمات النقل على مختلف الخطوط على نحو لائق وحضاري، كما اجتمعنا مع اللجنة الإدارية لشركة النقل الداخلي، وبحثنا في الخطوات المستقبلية الكفيلة برفع سوية الأداء على خطوط الشبكة لخدمة المواطنين بصورة مناسبة». وجدت الصورة صداها الطيب عند جمهور المحافظ المقتضب (برغم أن صفحته يتابعها 10 آلاف مواطن)، فدعوا له بطول العمر وسداد الخطوة. في المقابل، كان هناك جيش جرار من الساخرين، الذين وقفوا بالمرصاد للصورة وصاحبها، وانهالوا عليها بأدهى التعليقات. كتب أحدهم: «القينا القبض عليك وقد صعدت إلى الباص من دون أن تقطع تذكرة»، فيما ذكّره آخرون بأنه كان عليه أن يلتقط صورة «سيلفي» ويكتب عليها «سيلفي والمواطنين خلفي... لأنهم سيبقون خلفك سيدي المحافظ». ونشر آخر رابط لأغنية نجوى كرم «جيت مأخر ذنبك أكبر من كلمة أنا غلطان»، في إشارة إلى أنّ هذا السلوك ربما كان يجدي قبل اشتعال البركان السوري منذ أربع سنوات.
يكتشف المسؤولون السوريون «السوشيل ميديا» تباعاً، ويتجهون إلى نشر أنشطتهم الميدانية والتماسّ المباشر مع المواطنين عبر صفحاتهم، وهذا إيجابي، لكن ما حالهم لا يجدون سوى باص النقل وسيلةً للتعبير؟