«ايه اللي وصلك لكده؟» سؤال يتكرر طوال عرض «بعد الليل» (إخراج خالد جلال) تعليقاً على حال بطله «راضي» الذي تحاصره هلوسات وشخصيات هي إفراز لاضطرابات الشارع المصري. هذه الكوميديا السوداء هي مشروع تخرج الدفعة الأولى لاستديو المواهب في «مركز الابداع الفني» في دار الأوبرا في القاهرة، على أن تجول لاحقاً على مختلف المحافظات. يفتح الديكور (تصميم ندى عبد الحميد وعمر رأفت) عالماً من الأسئلة حول دلالات الأرقام والرموز المكتوبة على خلفية سوداء على جانبي المسرح العصري الطراز منها: «من انت؟ من انتم؟ ايه اللي وصلك لكده؟». عبر اسكتشات متلاحقة وسريعة الايقاع، يعرض العمل حشداً من السلبيات التي يموج بها المجتمع المصري. «راضي» يعالج في مصحة نفسية مع هلوساته وشبحين يمثلان الخير والشر. الأول هو ملاكه الحارس الذي يحاول أن يستكشف معه لماذا وصل إلى ما هو فيه، والثاني شبح الشر الذي يسخر من آلامه ومعاناته، ويغذي أكثر جوانب شخصيته ظلاماً.
اسكتشات سريعة عن اضطرابات الشارع المصري


شخصية «راضي» تتشظى إلى عشرات الشخصيات، كل منها يمسك بمشكلة ما. عبر 11 لوحة، نتعرف إلى نماذج لشباب متطرف دينياً، وآخر شوهه المال السياسي، وثالث من «الالتراس»، ورابع يشكو تقلبات مفاهيم الحب والرومانسية. التحرش الجنسي، وتسيّب الاعلام، وهوس مواقع التواصل الاجتماعي، ومشاكل التفسخ العائلي، واتساع الفجوة بين «مجتمعي» الفقراء والأغنياء، والاستقطاب الحاد المتنامي بعد «ثورة يناير» كلها دوائر يكثفها مشهد الحفل الذي يقام لمناسبة مرور أسبوع على ولادة الطفل بطقسه الشعبي، حيث نسمع: «اسمع كلام أمك، أبوك، الشرطة، الحكومة، المعارضة، الاعلام، الاخوان». مشاهد تتحاور مع انجح مسلسلات رمضان الماضي كـ «سجن النسا» عن معاناة المرأة التي قادتها إلى السجن. مشاهد دفعت المخرج ربما إلى الاتكاء على ذكريات الزمن الجميل. في مشهد شديد الأسى والبساطة، يناجي مصوّر كاميرته التي ترفض التصوير لأنّه لا يعجبها ما تراه، فتستعيد صوراً فوتوغرافية لرموز الغناء والتمثيل والسياسة التي فعلت فعلها مع الجمهور. ينفجر الأخير بالتصفيق مع صورة عبد الناصر على خلفيه خطاب التأميم، وأغنيات نصر أكتوبر، وأيقونات أم كلثوم وعبد الحليم وفاتن حمامة وسعاد حسني، وطه حسين وتوفيق الحكيم، ومشاهد لأوضاع التعليم وتشجيع الكرة، والسهرات العائلية السعيدة...
العرض الذي انتجته ورشة «ارتجالات» التي يقودها خالد جلال، تميز بالانضباط الفني إيقاعاً وأداءً. لم نشعر بارتباك، أو زحمة بين الشخصيات الـ 32. كلها تمتعت بحضور شبه دائم، تساندت وتكاملت في تكوينات جماعية، حميمية، لتشكل لحظات تكتل تدعم فكرة انتمائها كلها إلى هلوسات البطل راضي. جماعية العرض لم تمنع المخرج من إفساح المجال أمام مواهب مثل محمود الليثي بمرونته الفائقة في الأداء والتعبير الجسدي والصوتي، وإسلام عبد الله، ومحمد عز (راضي)، وسارة إبراهيم، وميرنا جميل، وجيهان الرازي، ونور قدري، وبسنت هشام التي مثلت «الشبح الشرير». الملابس التي صممتها تغريد عز الدين أوحت بالحياد. الألوان موحدة، تماثل لون وقماش الكتان المستخدم في تحنيط المومياء.