منذ «جرصة» ( ٢٠٠٧)، غاب عن محبيه ليعود أخيراً إلى الخشبة، مساحته الفضلى كممثل. تعرض لخيانة زوجته وباتت شوارع المدينة مأواه. حتى المدينة بكل تحولاتها خانته. بقي وحيداً يبدد وحشته بالكلام. يقدم لنا رفيق علي أحمد عرضه «وحشة»: هي وحشة أبو ميشال: «الناس بيسموه أبو ميشال. وهوي بيقول مش مهم شو ما كان اسمي: محمد، جورج، سمعان، علي أو عثمان...»

المضحك المبكي أنّه حتى اسم الرجل الحقيقي سلب منه.

حال رؤيته متسكعاً في شوارع المدينة يشرب الكحول، بات الجميع يناديه أبو ميشال. خانته زوجته وذهبت مع رجل آخر إلى كندا، وأولاده هجروه، ولم يبق له سوى القط عنتر الذي يراه أحياناً ويؤنس وحشته في شوارع المدينة.
بينما تركز بعض المسرحيات اللبنانية أخيراً على تعرّض المرأة للعنف والخيانة، يمشي رفيق علي أحمد عكس التيار: يقدم لجمهوره رجلاً تعرض لخيانة زوجته. نبش التاريخ وعاد الى ما ورد في الأساطير والقرآن والإنجيل ليقدم نساءً خنّ أزواجهن أو كن سبباً في حروب أو في مقتل رجال. لعب أبو ميشال بتلك الأساطير، أسقط عليها آلامه. بدأ بهيلين التي وضعها في لوحة كبيرة جالسة على حصان طروادة كما لو أنها أوروبا التي اختطفها زيوس. كذلك، باريس خطف هيلين لشدة جمالها. لكن أبو ميشال يرى أنّ جمال هيلين الفاتن كان سبباً في حرب طروادة.

يتحدث بلغة الشارع مستعيناً بكاريزماه المتفردة
ثم قدم لنا حكاية زليخة (الواردة في القرآن) التي تُيمت بجمال النبي يوسف وحاولت اغواءه عبثاً. وعرض قصة سالومي ووالدتها التي رقصت لهيرودس وكانت سبباً في قطع هذا الأخير رأس يوحنا.... روى كل تلك القصص وحوّرها ضمن قالب حكواتي شعبي مشوق ومضحك. لم يفعل ذلك ليعزز موقعه كضحية تعرضت للخيانة ولا ليسند ألمه بجملة «ان كيدهن عظيم»، ولم يكن بالطبع في لحظة سكر يهاجم المرأة وحدها. في الواقع، موقع قصة الخيانة من العرض هي ممر أو ممهد لخيانة المدينة في ربط متقن أحياناً ومتفلت أحياناً أخرى. حكى أبو ميشال لجمهوره عن مهزلة «الوحدة الوطنية»، والطائفية، والتدين المقنع، والوحدة، والتكنولوجيا التي تباعد بين الناس بعدما «دمرت انسانيتنا» في أسلوب نقدي لاذع ومضحك في آونة. حدثنا عن عاهرة اسمها عفاف كشفت له المدينة وجيل الإفادات وملف الغذاء الفاسد... حدثنا عن كل هذا بطرفته وفطنته التي عهدناها دوماً. استحضر وركّب عبارات لماحة كـ «حقدادي (من الحقد) متلّت بلدي أصيل» في اشارة الى حقد اللبنانيين على بعضهم. لعب على مشهدية كلامية، مستعيراً بعض عبارات تكنولوجية ليحدثنا عن «كيس الزبالة». أجاد تطعيم المفردات الشعبية بصور جديدة ووظفها لصالح إضحاك جمهوره.
رفيق علي أحمد الممثل، الكاتب والمخرج، يعتبر لدى كثيرين أيقونة المونودراما الحكواتية في لبنان. لكن مهلاً، نحن نتحدث عن أبو ميشال، شخصية جديدة فذة: رجل سكير قضى حياته في المدينة. يعاني من فراق أولاده. باع بيته عند طلاق زوجته. هل تسلّل بعض «موتيفات» عروض رفيق علي أحمد السابقة لصالح شخصية أبو ميشال؟ مثلاً، غناء المواويل يذكرنا بمشاهد من عروضه القديمة. هل كان مبرراً أن يضع المشلح على رأسه ويغني موالاً يستدر عاطفة جمهوره؟ طبعاً، نجح في استدرار عاطفة الجمهور، وبقيت الغصة في حلقنا، ولكن أبو ميشال في تلك اللحظة أصبح الزبال «أبو عدنان» بطل «زواريب»، أو المعاز «أبو عيسى» بطل مسرحية «الجرس». تلك الثغرات التي كان وجودها قليلاً لم تؤثر في حضور رفيق على أحمد المتجلي دوماً. كما استخدم رفيق علي أحمد المخرج عناصر جديدة في سينوغرافيا عروضه المونودرامية كشاشة الفيديو في الخلفية مع رسوم متحركة ثلاثية الأبعاد للتعبير عن هروب لوط وتحول سدوم الى تمثال من الكبريت. وكان التمثال الكبريتي للمرأة حاضراً على الخشبة، بالإضافة الى عناصر أخرى كاللوحات والمظلة. بقي هذا الاستخدام منقوصاً بسبب طغيان رفيق علي أحمد الممثل على رفيق علي أحمد المخرج، ما أثر في معالجة النص أحياناً.
مع ذلك، ألهب رفيق علي أحمد عاطفة جمهوره وفجّر ضحكاته. هو الممثل الذي يتحدث بلغة الشارع مستعيناً بكاريزماه المتفردة وبمخيلته التي تتقن توظيف الكلمات والمواقف.



«وحشة»: حتى 8 شباط (فبراير) ـ «مسرح مونو» (الأشرفية ـ بيروت) ـ للاستعلام: 01/202422