مع تطور وسائل الاتصال والتواصل، كثرت الإشكاليات المهنية والأخلاقية حول محتوى وشكل ما ينشر، وخصوصاً أنّ المواد لم تعد حكراً على الصحافي ولا على المنظومة التحريرية حوله، ولا على أخبار الوكالات العالمية والمحلية. لقد دخل ما بات يعرف بالصحافي المواطن المشهد في منظومة أخرى تتّكل على وسائل الاتصال الحديث، بغض النظر عن مسألة امتلاكه الأدوات التي تؤهله للعمل الصحافي. هذا العمل كان سمة الحراك الشعبي في دول «الربيع العربي». وتغلغل لاحقاً مع سهولة النشر والانتشار على وسائل التواصل، وتعزّز وتكرّس مع تبني الإعلام التقليدي والقنوات الفضائية له.


ولا شك في أنّ العديد من الأشرطة التي عرضت وفضحت مثلاً معلماً يضرب تلميذه بشكل مبرح، وشخصاً يهدد الأطفال بالذبح على طريقة «داعش»، نجحت في رسالتها المتوخاة. لكن يوم الجمعة الماضي، كنا فعلاً أمام معضلة مهنية وأخلاقية خلقت جدلاً واسعاً في الأوساط الصحافية والأكاديمية. في بداية نشرتها الإخبارية المسائية، عرضت قناة «الجديد» فيديو (1:13) يظهر عجوزاً يداعب فتاة صغيرة بثياب المدرسة في مكان عام. الفيديو ظهّر ما بدا لعين المشاهد أنه تحرش جنسي واضح من خلال الحركة وإيقاع الصورة.
شريط حصلت عليه المحطة وعرضته في نشرة أخبارها الرئيسية في توقيت الذروة، مع تمويه وجه الفتاة وإظهار وجه العجوز المتحرش بشكل علني.

الاختصاصي النفسي رائد
محسن أشاد بما فعلته «الجديد»

الفيديو سرعان ما انتشر على مواقع السوشال ميديا والمواقع الإخبارية، مولّداً جدلاً حول مدى صوابية نشره، ولا سيما أنّ القناة أعلنت أنّها تبغي فضح المتحرش وحماية الفتاة من أذى لحقها ليكون «عبرة لمن لا يعتبر”. جدل فتح الباب واسعاً، وخصوصاً من الناحيتين المهنية والنفسية. المنتقدون رأوا أنّ ما فعلته القناة هو الإثارة، فمجرد عرضه «خارج المحكمة يجعل الطفل ضحيّة مرّة أخرى» كما أورد الزميل أسعد أبو خليل على صفحته الفايسبوكية.
وكانت هناك آراء أخرى تدعم ما أقدمت عليه «الجديد» وكسرها «تابوهات» لطالما «ضبضبها» المجتمع الشرقي، فحمى بذلك المتحرّش مدى الحياة. لكن هل تحقق الهدف؟ وهل وسيلة النشر التي اتبعت كانت صائبة ومهنية وتحترم الأخلاقيات الإعلامية وحقوق الطفل؟
الاختصاصي النفسي في الإرشاد والتوجيه الزوجي والعائلي في «الجامعة اللبنانية الأميركية» رائد محسن أشاد في حديث مع «الأخبار» بما نشرته «الجديد». محسن انتقد الاعتراض «الأخلاقي» على بث الشريط، فالنشر بالنسبة اليه واجب «لفضح العجوز لا الفتاة»، مستطرداًَ: «في مجتمعاتنا، حتى الفتاة التي تتعرض للتحرش ويتم فحص عذريتها لاحقاً ليتضح أنّها ما زالت عذراء، يتم اغتصابها مرة ثانية». ويكمل محسن «لقد اغتصب هذا العجوز الفتاة حتى لو من فوق ثيابها».
هذا النشر لم يمنع محسن من انتقاد عرضه بشكل كامل من دون مونتاج، فـ»الرسالة كانت ستصل من دون عرضه كاملاً». وعما إذا كانت القناة حقّقت هدفها بفضح المتحرش وحماية الطفلة، يجيب محسن: «لو كنا في بلد يحترم القانون، لما كان اللجوء الى الإعلام بهذه الطريقة».
وعن عرضه في وقت توجد فيه أغلب الشرائح العمرية على الشاشة، جزم الاختصاصي بأن «لا شريحة عمرية ممنوع أن تشاهد محتوى الشريط (...) بل يجب استثماره للتوعية والشرح للأطفال عن التحرش». وهنا يضيف: «يجب أن تعلم الفتاة أنّ جدها الذي يُفترض أن يحميها، اغتصبها».
في المقابل، كان لخبير الصورة في «الجامعة اللبنانية» عباس مزنر رأي مخالف لما أورده الطبيب النفسي. مزنر تحدث إلى «الأخبار» عما وصفه بعمل «غير أخلاقي» قامت به الوسيلة الإعلامية، مضيفاً: «كل قناة أضحت بمثابة محكمة تبتزّ الناس وتضغط عليهم». وركّز على الشق القانوني في شريط التحرش، وضرورة أن يأخذ منحاه الطبيعي وليس عبر الإعلام.
ووضع ما حدث في خانة التنافس على جذب مشاهدين أكثر للمحطة في ظل استنساخ «البرامج الفضائحية نفسها على قنوات مختلفة». هذا النقد الذي يصدره الأستاذ الجامعي لا يعفيه من رؤية المشهد من زاوية إيجابية أي فضح تحرش جنسي أو قضية فساد، لكن على قاعدة أن يبنى على الأحكام القضائية قبلاً، ومعالجة القضية بالطرق المهنية وجلب مختصين للحديث عنها لإحاطتها من مختلف الجوانب. ويمكن الاستدلال على ذلك بما قامت به الإعلامية ريما كركي أول من أمس في برنامجها «للنشر» على «الجديد». في الفقرة الخاصة بهذه القضية، امتنعت عن عرض الفيديو مجدداً على الهواء واكتفت بصورة ثابتة للعجوز مع طرح المسألة من زاوية اجتماعية وقانونية قد تأخذنا الى سكة صحيحة في الابتعاد عن الاستغلال المقصود أو غير المقصود.