غزة | لا يمكن للإعلام الفلسطيني أن يمرّ مروراً عابراً على حادثة اغتيال قيادات من "حزب الله" قرب القنيطرة السورية أوّل من أمس. الحدث مدوٍّ، وغير منفصل عن جلجلة الحروب الإسرائيلية على فلسطين ولبنان. هكذا، اختارت معظم وسائل الإعلام تنحية التناقضات الثانوية مع "حزب الله" جانباً، وتصويب البوصلة نحو التناقض المركزي مع العدوّ.


تصدّرت تلك الحادثة ذات الانعكاسات الخطيرة على الشمال الفلسطيني عناوين صحف "الأيام" و"القدس" و"الحياة الجديدة" و"فلسطين"، ونشرات الفضائيات الفلسطينية كذلك. لم يغلب على التغطية الطابع الخبري الخالص، بل كانت مزدحمة بالتحليلات والخيارات المحتملة لترجمة ردود فعل المقاومة اللبنانية واقعاً. غير أن منابر أخرى لم يغب عنها بالمطلق الشرخ في العلاقة بين "حماس" و"حزب الله" جرّاء المواقف المتباعدة من المأساة السورية. تيمّناً بمحطتي "الجزيرة" و"العربية"، وصفت تلك المنابر شهداء الغارة الصهيونية بـ "القتلى". ورغم أن القاتل لا لبس في هويّته، غير أنها وضعت الشهداء في الميزان وحده مع القتلى الصهاينة. مثلاً، غيّبت وكالة "صفا" المحسوبة على "حماس" سياق المواجهة الصحيح، وأقحمت سياقاً خاطئاً عبر تبنّيها لمصطلح "قتلى"، فيخال القارئ للوهلة الأولى أن الشهداء سقطوا في أتون حرب أهلية أو مذهبيّة. كما راحت تنقل في شريطها الإخباري العاجل آخر التطوّرات عن الحادثة من "العربية" و"الجزيرة" و"الميادين" و"الأناضول". غير أن اللافت هنا أنّ "صفا" حوّرت بعض الكلمات في خبر نقلته عن "الميادين"، ليتناغم مع سياستها التحريرية المبنية على صراع المحاور ولعبة الاصطفافات الإقليمية.

تبنّت وكالة "صفا" التابعة لـ "حماس" مصطلح "قتلى"
فقد كتبت: "ذكرت قناة "الميادين" المقرّبة من "حزب الله" أنّ أحد القتلى هو جهاد مغنية، نجل القائد العسكري للحزب عماد مغنية الذي اغتالته إسرائيل في دمشق قبل أعوام". "الميادين" بالطبع لم تبخس على جهاد لفظ "شهيد"، غير أن ذلك لم يرق لـ"صفا" وموقع "فلسطين الآن" المحسوب على "حماس" أيضاً. ورغم أن البعض قرأ من تلك الصياغات المجحفة تشفّياً بالدم الذي سال في الأراضي السورية على يد العدوّ، إلا أن كثيراً من وسائل الإعلام تنبّهت إلى تلك السقطات الأخلاقية والإنسانية بعد احتجاج بعض الصحافيين الفلسطينيين على التمييز بين دم وآخر على أساس طائفي أو خلاف سياسي. هكذا، جنحت كلّ من وكالة "شهاب" وصحيفة "الرسالة" إلى تعديل مسارها، وعدم الانجرار إلى مماحكات سخيفة وخوض معارك هامشيّة من قبيل استحضار "دور "حزب الله" في الحرب السورية". خصّصت "الرسالة" مثلاً مساحة وافرة على صفحاتها للوقوف عند الحادثة، وتحليل أبعادها على الساحة الجنوبية في لبنان وكذلك الشمالية في فلسطين. كما يُحسب لفضائية "الأقصى" التي تعدّ الصوت الرسمي لـ "حماس" إيلاؤها اهتماماً كبيراً لحادثة الاغتيال. إذ آثرت في نشراتها تقديم خبر الاغتيال على سلسلة الأحداث التي هزّت النقب المحتل وأدّت إلى استشهاد شاب وإصابة العشرات. في السياق نفسه، واكبت فضائية "فلسطين اليوم" المحسوبة على "الجهاد الإسلامي" الحدث لحظةً بلحظة، مستقيةً التطورات من "الوكالة الوطنية للإعلام" (لبنان) ووسائل الإعلام العبرية كذلك. أمّا تلفزيون "فلسطين" الرسمي، فيبدو أنه يصرّ دوماً على أن يكون خارج المكان والزمان، مكتفياً فقط بدوره كتلفزيون لـ "العلاقات العامة" المخصّص لبروتوكولات استقبال الرئيس محمود عباس للوفود السياسية في مقر المقاطعة!