يصوّر «يلا عقبالكن» (إخراج إيلي خليفة ـ سيناريو وإنتاج نيبال عرقجي) الذي طرح أخيراً في الصالات المحلية، حميمية العالم النسائي. ينضم الشريط إلى قافلة ما يعرف بأفلام النساء التي درجت أخيراً في السينما اللبنانية على اختلاف مستوياتها، بخاصة بعد «سكر بنات» (2007) لنادين لبكي الذي افتتح هذه الظاهرة في بلد حيث كل شيء قابل للتحول إلى موضة حتى الفن. لكن ما يميز الفيلم عن غيره هو خصوصية الطرح الذي يتبناه ولا يندرج تماماً ضمن التقليدي أو الشائع.


يسعى العمل إلى رسم بورتريه أكثر واقعية عن الصراعات التي تواجه المرأة المعاصرة ولو أنه لا ينجح كلياً في تفادي الكليشيه المتمثل في السطحية التي يقدم بها صورة المرأة المتحررة في بعض مقاطعه. يصوّر الفيلم قصة أربع صديقات عازبات تخطين الـ 35 من العمر يعشن في بيروت: ياسمينا (دارين حمزة) التي تريد أمها الممثلة جوليا قصار تزويجها بأي ثمن مستخدمة كل أنواع الابتزاز العاطفي، في حين أنّ ياسمينا تقيم علاقة مع رجل مصري (أيمن قيسوني) يتضح أنه متزوج في ما بعد. أما تالين (ندى أبو فرحات) فتخوض في الكثير من العلاقات الجنسية من دون أن تجد رجلاً تستطيع التواصل فعلياً معه. الثالثة هي لايان (نيبال عرقجي) المغرمة برجل متزوج (بديع أبو شقرا) وتعيش على أمل أنه سيهجر يوماً زوجته كما يعدها دائماً. أما شخصية زينا (مروى خليل) فهي في الوسط، متنازعة بين ميلها إلى التقليدية ورفضها في آونة واحدة. هي تنتقد تالين لعلاقاتها المتعددة، وتجبر نفسها على الخروج في مواعيد عشوائية بحثاً عن العريس المناسب، حتى أنها تجاري أمها في لقاءات الزواج المدبرة التي تنظمها من دون اقتناع منها.

اللغة السينمائية
تواكب الدراما
وتضفي عليها نفساً أكثر شاعرية

تفاجأ زينا لاحقاً أنّ العريس المنتظر لديه حبيبة أجنبية يسكن معها في دبي من دون علم أهله الذين يسعون لتزويجه كل مرة يعود فيها إلى لبنان. هذا أحد المواقف الفكاهية في الفيلم التي تعبّر عن الفصام الذي تعيشه المجتمعات العربية المتنازعة بين التقليدية والانفتاح. يعيش أغلب الأفراد حيوات مزدوجة رغبة في إرضاء الأهل أو المجتمع. وأحياناً، يصعب تحديد أي واحدة هي الحقيقية أو المختلقة. لكن الصراع ليس بين جيلين كما يرسمه الفيلم. الأمور ليست بهذه البساطة. الازدواجية هي معضلة الجيل الحالي أكثر منها الماضي. وهي التي يقع فيها الفيلم الذي يقدم لنا بدايةً بطلاته بخلاف صورة المرأة التقليدية. لكن مع تطور الأحداث والمواقف، يتحولن تدريجاً إلى نساء يائسات في بحثهن عن العريس الذي يبدو شاغلهن الوحيد باستثناء تالين الأكثر استقلالية التي تخاف أيضاً الحميمية. ينجح جارها (ماريو باسيل) تدريجاً في تبديده. ولو أن شخصية تالين بعيدة من النمطية في العلاقات المتعددة التي تقيمها وتتحدث عنها بانفتاح، لكنها في كيفية حديثها عن الجنس واحتقارها للرجال تشبه الكليشيه الرجل الذكوري الذي يحتقر المرأة لرغبته فيها. بخلاف ذلك، هناك نبرة حادة غير مبررة تحكم الحوارات. في سياق أو من دونه، تنفعل البطلات وتسخر كل واحدة من الأخرى أو تحاكمها بطريقة قد تكون مهينة للمرأة بشكل عام. وربما رمى ذلك إلى إضفاء نفس عفوي على الحوارات، لكنه يبدو مفتعلاً أو غريباً على أي حال. مع ذلك، ينجح الممثلون المحترفون بأغلبهم عبر أدائهم المقنع في إضفاء صدقية على الحوار رغم طابعه الشديد المباشرة في أغلب اللقطات بخاصة مروى خليل التي تتميز في أدائها، لكن أيضاً ماريو باسيل بأدائه العفوي المعبر. كذلك، يتسم حس الفكاهة في الحوارات بطابعه الشديد المباشرة كما حين تنتقي تالين حبة نقانق من الصحن لتقارنها بصغر حجم العضو الذكري للرجل الذي مارست الجنس معه الليلة الماضية. لكن المشهد المعيب بحس فكاهته العنصري هو عندما يشفق ابنا أخت ياسمينا على حالها ويقرران البحث لها عن عريس، فيصطحبانها لتتعرف إلى عامل فقير أسود البشرة. المفارقة الساخرة في المشهد أنه ينتقد التمييز ضد النساء العازبات عبر استخدام التمييز العنصري ضد الفقراء والسود معاً. اللغة السينمائية التي يعتمدها إيلي خليفة تواكب الدراما لكنها أيضاً تضيف إليها نفساً أكثر شاعرية. مدينة بيروت دائماً حاضرة يعود إليها المخرج ليصل بين القصص المتشابكة. كذلك، تفرض الكاميرا إيقاعها الخاص، كما مشهد جدال لايان (عرقجي) ووسام (بديع أبو شقرا) في الشارع. عبر حركة الكاميرا وتحرك الشخصيتين داخل المشهد، نشعر بديناميكية العلاقة بين الثنائي والصراعات الدائرة بينهما.
يبقى أن الفيلم بكل مفارقاته هو مرآة للازدواجية الكامنة في المجتمع أو في شخص المرأة نفسها كما تتناولها عالمة الاجتماع الفرنسية ناتالي هينش في كتابها «ازدواجيات تحرر المرأة» (2003). تشبّه المرأة المعاصرة بالمرأة الخارقة (السوبروومن) التي تطمح لتكون متفوقة مهنياً وكزوجة وعشيقة وأم معاً. تستفيض الكاتبة شارحة أنه في ما مضى كان المجتمع التقليدي الذكوري يفرض على المرأة الاختيار بين أن تكون زوجة أو عشيقة أو عاملة أو صاحبة فكر حر. وفي مقابل التمتع بحريتها، عليها أن تتخلى عن حقها بالزواج والإنجاب. وإذا لم تكن زوجة، ستلعب دور العشيقة لزوج أخرى. وإذا كانت عشيقة، يستحيل أن تصبح زوجة. أما ثورة المرأة فهي مطالبتها بحقّها في لعب كل تلك الأدوار معاً.


* «يلا عقبالكن»: صالات «غراند سينما» (01/209109)، «أمبير» (1269)، «فوكس» (01/285582)




في شباك التذاكر

في الأيام الأربعة الأولى لعرضه في الصالات اللبنانية مساء الخميس الماضي، استقطب «يلاّ عقبالكن» حضوراً جماهيرياً، إذ بيعت على شبابيك التذاكر نحو 17 ألف بطاقة وفق بيان وزّعه صنّاعه. وقالت منتجة الفيلم وكاتبة السيناريو نيبال عرقجي إنّ نحو 3200 تذكرة بيعت في اليوم الأول لعرض الفيلم، فيما بيعت الجمعة 3400 بطاقة، والسبت نحو خمسة آلاف. أما الأحد، فنفدت تذاكر الدخول في الصالات الـ14 التي يعرض فيها الفيلم، إذ شاهده نحو 5500 ما رفع المجموع في الأيام الأربعة إلى نحو 17100.