أكثر من خمسين عاماً، حفرت خلالها فاتن حمامة مشاهد لا تٌنسى في ذاكرة الأجيال. ولعلّه يمكننا اختصار هذه المشاهد بستّة، غالبيتها تحمل توقيع المخرج اللبناني هنري بركات. الأوّل هو ذلك الذي تختبئ فيه وراء الباب أثناء مهاجمة أحمد مظهر لها في فيلم «دعاء الكروان» (1959 ــ هنري بركات) الذي يستند إلى رائعة طه حسين. هنا، تقدّم «هنادي» مزيجاً من الانفعالات المتناقضة حين تُصارع الضحية حبّها لجلادها.


علماً بأنّ مظهر هنا كان جلّاد أختها والمسؤول عن موتها. الثاني هو المشهد الأخير في «الباب المفتوح» (1963 ــ هنري بركات) الذي تركض فيه «نوال» على رصيف القطار، مصمّمة على مغادرة خوفها. الخوف من سلطة الأب والمجتمع والتقاليد التي تؤدي بالمرأة في معظم الأحيان إلى التعاسة. ومن أعمال هنري بركات أيضاً، هناك مشهد من فيلم «ليلة القبض على فاطمة» (1984) تتحدّث فيه «فاطمة» عن انكسار الحلم الذي أوصلها إلى الهذيان. صحيح أنّ شعرها منكوش، ووجهها شاحب، لكنّها لم تفقد عقلها كما يقول شقيقها. حبيبها الصيّاد الذي سرقه البحر وعجز عن تحقيق أمنيتها بالزواج هو الوحيد الذي يعرف أنّها ليست «مجنونة». في «يوم مر يوم حلو» (1988 ــ خيري بشارة) تؤدي الراحلة دور الأم الأرملة ببراعة. لها ثلاث صبايا، وطفلة يهاجمها المرض، وطفل صغير يُزج به في إحدى الورش للعمل. في الشريط، تُحدّث الابنة الكبرى والدتها عن رغبتها في الزواج لأنّها «تعبانة» (بحاجة إلى ممارسة الجنس)، تسكتها الأم بحياء ممزوج بالتعاطف، قائلةً: «فهمت، فهمت... إيه البجاحة دي؟». انفعال برز فيه تعاطف نسوي أوصله إحساس فاتن بقوّة. من منّا لا يذكر ذلك المشهد الذي تنتفض فيه الحبيبة في وجه حبيبها (محمود ياسين) في «الخيط الرفيع» (1971 ــ هنري بركات). هو يرفض الزواج بها ويطلب منها أن تتفهّمه وتصبر عليه، وهي تجيب بوضوح: «ومين قلّك أنا أقدر أكون إله؟».
المشهد ما قبل الأخير هو من فيلم «أرض الأحلام» (1993 ــ داود عبد السيد). فيه، تبكي حمامة وتضحك في آن واحد بعد ليلة طويلة من المعاناة، خرجت فيها «نرجس» لتكتشف الشارع وناسه، وذلك «الساحر» (يحيى الفخراني). تبكي لأنّها لا تريد السفر إلى الولايات المتحدة وتعبت من زعران الليل، وتضحك لأنّها وجدت جواز سفرها في أتفه موقع قد يفقد فيه أحد غرضاً ثميناً.