دمشق | صنعت فاتن حمامة تاريخها بميزان صائغ، وإزميل نحّات، وسيرة قديسة. لن نجد أخطاء المبتدئات في هذه السيرة، أو ما يمكن أن يجرح حضورها الاستثنائي. كأنّ الشاشة تواطأت معها، منذ اللقطة الأولى لتلك الطفلة التي ظهرت في فيلم «يوم سعيد» أمام محمد عبد الوهاب (1940)، في تشييد التاريخ الموازي لممثلة متفرّدة لا يشبه تاريخ الأخريات من جيلها.


حينها، كانت السينما المصرية وما زالت تضع شروطها الصارمة في تغيير الجلد الأصلي للممثلة، وخلع «الفضيلة» جانباً، لمصلحة إغواء الصورة، وعطش شبّاك التذاكر للذّة. التواطؤ الجماعي في إنشاء أيقونة حيّة، أبعدها عن صخب الشوارع الخلفية للسينما ومباذلها، لذلك لم تكن يوماً، في موقع الاشتهاء. إنها مجدلية أخرى، وحارسة الأمل التي تعيش بيننا، وتبارك لنا بهجة الحياة برجاحة العقل، من دون أن تلوّث ذاكرتنا بآثام الخطيئة. هذا لا يعني أن فاتن لم تجسّد أدوار العاشقة في سينما الغرام، ولكنها لم تسمح لنا بأن نقبض عليها متلبّسة بما يتجاوز حدود الحشمة، حتى تلك القبلة اليتيمة في فيلم «صراع في الوادي» مع عمر الشريف، انتهت بزواج دام سنوات.

أسست لسينما قضايا مع
تأصيل نبرة تعيد الاعتبار إلى الكائن البشري المضطرب في عاطفته
هكذا رسمت السينما المصرية خرائطها بدقّة، فوضعت فاتن في الضفة المضادّة لممثلة إغواء على غرار هند رستم (1931 - 2011)، في معادلة حاسمة لرجاحة العقل هنا، وسيولة العاطفة هناك، أو المزج بينهما، في أفلام أخرى، كما في «دعاء الكروان»، و»الحرام»، و»أفواه وأرانب» على سبيل المثال. ولكن، ما كانت هذه الممثلة البارعة لتنجو من مخالب «مصنع الأحلام»، لولا تلك الموهبة الفذّة وحسن إدارتها خطوة وراء خطوة، من دون انزلاقات تطيح البوصلة الصحيحة في خياراتها الصارمة. على مدى أكثر من نصف قرن، تجوّلت بين عشرات الشخصيات تحت إدارة مخرجين من أجيال مختلفة، لتبقى بصمتها هي، أكثر من توقيع مخرجي أفلامها، نظراً إلى ارتباط مسيرتها بمشروع سينمائي رصين، وليس مجرّد أدوار سينمائية متنافرة. لنقل إنّ فاتن أسست لسينما قضايا في المقام الأول، بالإضافة إلى تأصيل نبرة إنسانية عميقة تعيد الاعتبار إلى الكائن البشري المضطرب في عاطفته، قبل أن يغرق في متاهة العوز، وقبل أن تصفعه الحياة بما لا يرغب في خسارته، أو فقدانه، كما في فيلم «يوم حلو ويوم مرّ» مع خيري بشارة، وفيلمها الأخير «أرض الأحلام» مع المخرج داود عبد السيد.
في موازاة هذا الرقي في خياراتها، ظلّت حياتها الشخصية بمعزل عن الشائعات والاتهامات والأسرار، بما يتوافق مع مكوّنات الأيقونة التي نسجتها بخيوط من حرير حضورها في الذاكرة الجمعية، من دون أن تغادر الواجهة، رغم احتجابها عن الشاشة منذ سنوات. لعلّ ما قالته يوماً، يختزل صورتها «حجاب المرأة هو عقلها، وعندما يهترئ ذلك الحجاب، يهترئ معه شرفها، حتى لو تبرقعت بالحديد». هذه نجمة عنوانها الشرف بمعناه الأعمق.