القاهرة | قلة من الفنانين تحبس الأنفاس لحظة رحيلهم، ويقطع التلفزيون بثه من أجلهم، وترسل الرئاسة نعيها ـ وإن من خارج البلاد- إلى ذكراهم. وقلة أكثر ندرة من الفنانين يحوزون كل ذلك وقد تقادمت آخر أعمالهم إلى ما قبل 15 أو 20 سنة. غابوا عن الشاشات ولم يغيبوا عن الخاطر. قلة قليلة جداً تلك، التي يصير رحيلها حدثاً عارماً يطغى على كل الأخبار الأخرى ـ وهي كثيرة ومروعة ـ فيشعر الناس أن عالمهم بعد هذا الفنان أصبح عالماً آخر، ويبدأون عدّ آخر من تبقى لهم من «الزمن الجميل» بقول، أو العالم القديم بقول آخر.


وفاتن حمامة، هي بالطبع كل ما سبق. الموهوبة المجتهدة الجميلة، الموعودة بالمجد منذ الطفولة، حتى أنها لم تحتج إلى أن تخترع لنفسها اسماً فنياً كعادة الفنانين. كان اسمها (فاتن أحمد حمامة) مميزاً منذ البداية. لم يتطلب سوى حذف الأحمد المتوسطة، ليصير علامتها التي لم تتغير منذ دورها طفلة في «يوم سعيد» (1940) لمحمد كريم، إلى دورها أماً كبيرة في «أرض الأحلام» (داود عبد السيد ـ 1993). وفي دورها الأخير ذاك، اصطنعت لثغة ناسبت عناداً طفولياً ميّز شخصية «نرجس»، كأن النصف قرن أعادها إلى نقطة البداية. ذلك الأداء الطفولي المرح الشجي كان تنويعة أخرى على موهبتها، كأنما تبرهن عن قدرتها على تغيير الأداء الوقور لشخصيتها القيادية في «ضمير أبلة حكمت» (1991)، مسلسلها الأول، ذو النجاح منقطع النظير بأوراق أسامة أنور عكاشة، وقد تصاغر أمامها حتى نجم بقدر أحمد مظهر، تماماً كما جرى للنجم الآخر أحمد رمزي بعد عشر سنوات في مسلسلها الثاني والأخير «وجه القمر» (2000) الذي استراحت بعده نهائياً حتى رحيلها.

غادرت مصر خمس سنوات
بسبب مضايقات «عصر المخابرات» في نهاية الستينيات


لا يشير إلى صعوبة الإحاطة بمشوار «السيدة» سوى حقيقة أن كل السطور السابقة لم تدخل بعد حتى إلى صلب مشوارها، إلى أدوارها الكبرى في «دعاء الكروان» و»الحرام» و»الباب المفتوح»، «إمبراطورية ميم» و»أريد حلا» و»الخيط الرفيع»، «صراع في الوادي» و»سيدة القصر» و»نهر الحب»، «لك يوم يا ظالم» «وأيامنا الحلوة»، و«المنزل رقم 13»، و»لا أنام»... قائمة تخطت المئة بخمسة أفلام يتنافس فيها الكم والكيف. وفي الاحتفال بمئوية السينما المصرية عام 1996، اختار النقاد قائمة أهم 100 فيلم مصري، وعلى أساسها، اختاروا، أفضل مخرجين والممثلين والكتاب، بحسب عدد المرات التي ورد فيها اسم كل مبدع في القائمة.
ليست مفاجأة أن تصدرت فاتن حمامة قائمة الفنانات برصيد 8 أفلام، زادت في ما بعد إلى 18 حين زيدت القائمة المئوية إلى 150. والمفارقة أنّ لفاتن قصة تروى مع شكري سرحان، مفادها ـ حسب الرواية الشهيرة ـ أنها رفضته لدور البطولة أمامها في «ًصراع في الوادي» (1954)، فأتى المخرج (الشاب) يوسف شاهين بصديقه وابن مدرسته السكندري عمر الشريف، الذي صار بطلاً ثم حبيباً وزوجاً ثم طليقاً. أما شكري سرحان، فبعد 40 سنة، عاد ليكرم أمام فاتن حمامة بوصفه «أفضل ممثل في تاريخ السينما» في القائمة نفسها. غير أن العلاقة بينهما لم تكن «ًخصومة». بين فيلم الخمسينيات وتكريم التسعينيات، قدما أحد أهم أفلامهما «ليلة القبض على فاطمة»، آخر أفلام فاتن مع هنري بركات، وهو فيلم آخر لم تتضمنه قائمة المئوية، كدلالة على ندية القائمتين، قائمة فاتن وقائمة النقاد.
لكن بالابتعاد من لغة القوائم والأرقام التي لا تفيد إلا قليلاً في شأن الإبداع، يبرز حوار اختفى عشرات السنوات وعاد ليظهر مجدداً على مواقع الانترنت. إنّه تسجيل قديم لفاتن من عام 1964 مع إحدى المحطات الفرنسية. تسجيل كأنه نافذة لجمهور اليوم إلى عصر «السيدات»، النجمات الفاتنات الرقيقات اللواتي –رغم أنهن كفاتن نفسها – لم يتحدرن من أصول برجوازية، يتحدثن الفرنسية بطلاقة وبلا ارتباك. في الحوار، تقول فاتن إنّ أهم ما واجهته في مشوارها الأول، هو نظرة المجتمع السلبية إلى الفنان، خصوصاً الفنانة، وكيف تغيرت النظرة تدريجاً «وصار الفنانون يحظون بالتقدير. كثير من الفتيات اليوم رغبن في العمل في السينما» تقول فاتن ذلك للمذيع الفرنسي وتتواضع، فلا تقول إنّها في مقدمة من صنع ذلك التغيير، لكن الفرنسي يبدو عارفاً بقدرها، يصفها بينما تتمشى على شاطئ البحر بأن «الشرق يعشقها حتى العبادة».
نالت فاتن كل التكريمات الممكنة في ذلك الشرق، ونالها بعض من مضايقات «عصر المخابرات» أيضاً في نهاية الستينيات، فغادرت مصر لسنوات خمس عادت عام 1971 لتؤدي فوراً، فيلماً بعد آخر، وتطلق رصاصة اجتماعية تلو أخرى. هي السيدة تارة والفلاحة تارة والعاملة البسيطة تارة. هل ذكرنا «أفواه وأرانب»؟ «يوم حلو ويوم مر»؟ «الأستاذة فاطمة»؟ «الطريق المسدود»؟ لم تعمل فاتن في المسرح أبداً، وعملت مرتين فقط في التلفزيون، فهي إذا سيدة الشاشة السينمائية، أعظم الشاشات.