القاهرة | في زمن صناعة الأخبار وقوة مواقع التواصل الاجتماعي، احتاج المصريون لأكثر من ساعتين ليصدقوا نبأ وفاة فاتن حمامة بعد 84 سنة عاشتها كلها نجمةً مدللة. كأن جمهورها ـ عبر هذا التردد والإنكار ـ أراد التمسك بزمانها، فيتأكد فيه شعور بـ «اليتم». هي «أيقونة» الزمن الذي صنعت مصر فيه كل شيء. قاومت الاستعمار، وقادت الأمة العربية بكاملها إلى الأحلام، وجعلت التنوير فعلاً لا شعاراً. لم يكن المسار الذي جاءت منه فاتن بعيداً من المسارات التي كان يتقدم منها طه حسين وتوفيق الحكيم وأم كلثوم وبعد هؤلاء جميعاً محمود أمين العالم ولويس عوض وصلاح عبد الصبور ويوسف ادريس ونجيب محفوظ.


مسار يمكن تلخيصه بكلمة «النهضة» التي تحمل عبء ترسيخها أبناء الطبقة الوسطى الذين مثلتهم فاتن خير تمثيل. هي الممثلة التي لم يرتبط نجاحها بـ «الفضيحة» ولم تؤطر لمكانتها بالتورط في خطابات ادعاء الفضيلة.
لم يكن جسدها على الشاشة جسداً مستباحاً، بل ظل في حالة مراوغة حلمية. اختفى وراء «غلالة» من الشجن جعلته جسداً عزيزاً. حتى إنّ أول قبلة لها على الشاشة كانت للرجل الذي اختارته زوجاً بعد ذلك بأشهر قليلة وهو عمر الشريف. رغم ذلك، يصعب وصفها بـ «الممثلة المحافظة». وبتعبير الراحل يوسف ادريس في مقال عنها انتقد إصرارها على أداء أدوار المرأة الضعيفة «هي ليست من ممثلات الجنس، لكنها من ممثلات العطف».
لا أحد بإمكانه اليوم أن يعرف الانحيازات السياسية التي حكمت مسارها الشخصي. لكن الجميع يعرف انحيازها لحسن «الاختيار»، فلم تنزلق إلى اختيار رديء يُرخص موهبتها ولا إلى مستنقع السياسة، ولم تتورط إيديولوجياً. اقتنعت بأنّ حضورها أكبر من أن يهدى لأي نظام. ربما تحدثت مرات قليلة عن حنينها إلى زمن الأرستقراطية الجميل في مصر الملكية. لكنه لم يكن اكثر من حنين لجمال تم تجريفه، ولم يدفع بها هذا الحنين للتورط في خصومة سياسية مع عصر عبد الناصر الذي أنصف الفقراء وعاونت بأعمالها تمجيد هذا الانحياز كما فعلت في مجموعة من الأفلام الاستثنائية مثل» الحرام» أو «دعاء الكروان» و«لا وقت للحب»، «الباب المفتوح». أفلام أعطت للمرحلة الناصرية «شرعية سحرية» استمدتها من «تأثير الشاشة البيضاء وفاعليتها. ولم تتخل في أدوارها خلال عصر السادات عن نبرتها القوية في مواجهة الانفتاح كما «أفواة وارانب» أو «ليلة القبض على فاطمة» بل غامرت في الانحياز لنموذج المرأة المقاوم كما في «امبراطورية ميم» وفي «ضمير أبلة حكمت» انطلاقاً من ايمان بالمسؤولية الاجتماعية للفنان. إنّه الالتزام لا الانخراط والتورط.
تعلمت كثيراً من صديقها المقرب الصحافي أحمد بهاء الدين الذي كان بوصلتها في اختيار أغلب أدوارها، وهو أيضاً أكثر كتّاب عصرها تأثيراً في شخصيتها. اتسمت مواقفه بالوضوح من دون مغالاة أو توتر، وكتابته بالأناقة الأسلوبية والمعرفة العميقة. وهكذا فعلت فاتن. أرادت دائماً أن تؤدي من «العمق»، فاستحقت لقب «سيدة الشاشة العربية». لقب يوازي اللقب الذي نالته أم كلثوم وهو «الست» الذي يشير إلى قوة التأثير والنفوذ أكثر من أي شيء آخر. في مسيرتها، لم تتورط في صراعات حول ألقاب وأدوار، ولم تزعجها أبداً حالة الإعجاب الشعبي بأنوثة سعاد حسني الحارقة أو طبقة «الانكسار» في أداء ماجدة الصباحي ولا يقظة نادية لطفي لأنها كانت تدرك مكانتها كـ «أيقونة «بالمعنى الديني. صورة تشع نوعاً نادراً من الإيمان. في مسيرتها، اكتفت دائماً بنبرة دفء في صوتها تكفلت بإشاعة طمأنينة لازمت حضورها في الذاكرة المصرية حتى يوم وداعها الأخير.
وقفت فاتن على مسافة واحدة مع الجميع إلا سعيها لتكون في «أناقة دائمة» تلائم الزمن الذي تألقت فيه. الزمن الذي لازم صعود المرأة المصرية وانزوت في زمن حوصرت فيه المرأة بـ «ذهنية التحريم»