القاهرة | أصاب خبر رحيل فاتن حمامة (27 مايو 1931- 17 يناير 2015) جمهورها بالصدمة تماماً مثلما تنفرط حبات عقد لؤلؤ نادر. إنّها أيقونة الرقة والجمال والرومانسية في السينما المصرية والعربية. الوسط الفني أصابته فاجعة هو أيضاً، خصوصاً أنّ الخبر باغت النجوم الذين توافدوا أول من أمس على عزاء المنتج الأشهر محمد حسن رمزي. وهناك علموا بالنبأ، فتحوّل سرادق العزاء إلى ما يحاكي المشاهد السينمائية. بعضهم ينفي الخبر غير مصدق، وآخرون يتواصلون بالهواتف الخليوية للتأكد، خصوصاً أنّ النجمة الكبيرة كانت تستعد للمشاركة في اليوبيل الفضي لكاتبها المفضل إحسان عبد القدوس الذي أقيم أمس في «مؤسسة روز اليوسف». احتفال كان يتضمن معرضاً لملصقات الأفلام التي قدمتها عن روايات للأديب الراحل. رحلت فاتن، أو «سيدة الشاشة العربية» أو «وجه القمر». انطفأت بصمت وبهدوء. كانت تمارس حياتها بشكل طبيعي. يوم السبت، تناولت الغداء وقالت لزوجها محمد عبد الوهاب: «أنا داخلة ارتاح شوية» وفق ما تروي ابنة شقيقها نادين حمامة. لكنها للأسف لن تستيقظ مرة أخرى.


الصدمة أربكت كل من حولها. ابنها طارق من النجم عمر الشريف، ونادية من عز الدين ذو الفقار، كانا يوجدان في أوروبا ورتبا للعودة سريعاً للحاق بالجنازة. وبنفس عذوبة دخولها عالم الفن والسينما، رحلت بهدوء بعدما أوصت المقرّبين لها بأنّها لا ترغب إطلاقاً في إقامة مراسم العزاء، حرصاً على عدم إزعاج أحد. شوط طويل قطعته تلك الطفلة البريئة، صاحبة الضحكة المميزة، والابتسامة التي تأسر القلوب. بدأت مشوارها صغيرةً حين فازت بمسابقة أجمل طفلة في مصر. يومها، أرسل والدها الرجل الليبرالي صورة لها إلى المخرج محمد كريم الذي كان يبحث عن طفلة تمثّل مع محمد عبد الوهاب في فيلم «يوم سعيد» (1940). أبهرت الطفلة التي جسّدت دور» أنيسة» كل من شاركوا في العمل بدءاً من «موسيقار الأجيال»، واستطاعت خطف الكاميرا من كبار النجوم. سريعاً، أبرم محمد كريم عقداً مع والدها ليضمن مشاركتها في أعماله المستقبلية. بعد 4 سنوات، استدعاها مجدداً للتمثيل أمام عبد الوهاب في «رصاصة في القلب» (1944). ومع فيلمها الثالث «دنيا» (1946)، استطاعت حجز موضع قدم لها في السينما المصرية، وانتقلت العائلة من مدينة المنصورة في محافظة الدقهلية (قلب الدلتا) إلى القاهرة تشجيعاً للفنانة الناشئة، وإيماناً بموهبتها. هناك، دخلت حمامة المعهد العالي للتمثيل.

جمعت بين البراءة والغواية
في شخصية «آمنة» في فيلم
«دعاء الكروان»


بعد تجاربها المتعددة، التقطها المخرج والفنان يوسف وهبي الذي أدرك حجم الموهبة المختبئة خلف تلك الملامح البريئة. طلب منها تمثيل دور ابنته في «ملاك الرحمة» (1946). وبهذا الفيلم، دخلت مرحلة جديدة هي الميلودراما. كانت تبلغ آنذاك 15 سنة فقط. بدأ اهتمام النقاد والمخرجين بها، وشاركت مجدداً في التمثيل إلى جانب يوسف وهبي في «كرسي الاعتراف» (1949). في السنة عينها، أدت بطولة «اليتيمتين» و»ست البيت» (1949) اللذين حقّقا نجاحاً كبيراً على صعيد شباك التذاكر، حتى صارت واحدة من أهم نجمات السينما المصرية. إلا أنّ المخرجين والمنتجين حصروها في أدوار الفتاة البريئة والرقيقة المظلومة دائماً، والضحية في أحيان أخرى.
زاد تألق فاتن حمامة في الخمسينيات... العصر الذهبي للسينما المصرية. مرحلة شهدت موجات جديدة في الإخراج سمِّيت بالواقعية. ذلك التيار فرض نفسه بقوة، وكان من أبرز رموزه المخرج صلاح أبو سيف. كانت فاتن ذكية في التقاط هذا التحوّل، فأدركت أنّها يجب أن تطور نفسها، وتنوع اختياراتها، وأتيح لها ذلك بفضل علاقاتها وصداقاتها القوية بكبار رموز الثقافة في ذلك الوقت، من أدباء ومفكرين. كانت قارئة نهمة وعاشقة للأدب، وأدركت كمّ التحول الذي يشهده المجتمع سياسياً، وبالتالي فنياً. من هنا تعاونت مع صلاح أبو سيف، وجسدت بطولة «لك يوم يا ظالم» (1952) الذي يعدّ من أوائل الأفلام الواقعية وشارك في «مهرجان كان السينمائي». بعدها، تعاونت مع المخرج الذي كان في بداية مشواره وقتها يوسف شاهين (1926 ـ 2008)، ولم تخش كونه مخرجاً يقدم أولى تجاربه في فيلم «بابا أمين» (1950) الذي حصد إشادات نقدية واسعة. لذلك لم تتردد في تكرار التجربة معه في فيلم «صراع في الوادي» (1954) الذي كان منافساً رئيساً في «مهرجان كان». كذلك، شاركت في أول فيلم للكمال الشيخ «المنزل رقم 13» الذي يعتبر من أوائل أفلام الإثارة عام 1952، فيما حصلت على جائزة أفضل ممثلة من «وزارة الارشاد القومي» عن دورها في الفيلم السياسي «لا وقت للحب» (1963).
جاء التحول الدرامي في مشوارها حين جسدت دور نادية بطلة رواية «لا أنام» (1957) لإحسان عبد القدوس. فتاة مليئة بمشاعر متناقضة كثيرة، تغلبها رغبة محمومة في إيذاء كل من حولها. وقتها كانت حمامة تحضّر جمهورها لهذا التحول الذي كانت تعمل بجهد ودأب على تغييره في مشوارها، إذ كانت تعتبر الأدب مرجعها الأساسي في تقديم سينما مختلفة، بعدما جمعها بالكاتب إحسان عبد القدوس عدد من الأفلام منها «لا تطفئ الشمس» لصلاح أبو سيف، و«إمبراطورية ميم» و«لا أنام» و«الطريق المسدود» و«الخيط الرفيع» وغيرها. قال الراحل إحسان عبد القدوس بأنّها «من الممثلات اللواتي استطعن أن يجدن تمثيل شخصيات قصصي. استطاعت أن تصور خيالي عندما مثلت دور «نادية» في فيلم «لا أنام»، ودور «فايزة» في فيلم «الطريق المسدود». وأذكر أنّي ذهبت يوماً أنا ويوسف السباعي إلى الاستديو أثناء تصوير مشاهد من «لا أنام» ووقفنا مشدوهين ونحن ننظر إلى فاتن حمامة. فقد كانت تشبه البطلة الحقيقة للقصة التي كتبتها».
رغم هذا النجاح والتمرد في ملامح الشخصيات التي جسدتها، إلا أنّها كانت ترغب في الخروج نهائياً من «التيمات» التي قدمتها بشكل نمطي في بداياتها، مع مخرجين أمثال محمد كريم، وحسن الامام، وعز الدين ذو الفقار. تيمات رومانسية جعلتها واحدة من أهم أيقونات الجمال والرومانسية في السينما المصرية والعربية، ونموذجاً لفتاة الأحلام بجسدها النحيل وملامح وجهها شديدة الرقة وعينيها الصافيتين. إلا أنها في الوقت نفسه كانت تملك ذكاء فنياً واجتماعياً، جعلها تدرك حجم التغييرات التي كانت ترهص في المجتمع المصري، وبالتأكيد تنعكس على الجمهور. لذلك، قدمت أدواراً نوعية صارت علامات فارقة في تاريخها وواصلت تمردها في أفلام أخرى منها رائعة طه حسين «دعاء الكروان» (1959) في شخصية «آمنة» المدهشة التي تجمع بين البراءة والغواية وكانت ترغب في الانتقام لشقيقتها هنادي. دور حمل تغييراً جذرياً في مشوار النجمة الكبيرة التي فاجأت جمهورها وقدمت واحداً من المشاهد الجريئة التي لا تنسى حيث كانت آمنة تقف في حجرة «الباشمهندس» وهو يحاول جذبها تجاهه، فتتمنع وترد بدلال «لا لا يا سيدي لا لا يا سيدي»، وتجري منه. إنّه من مشاهد الإغراء القليلة التي قدمتها حمامة في مشوارها. لكنها فعلت ذلك مطمئنةً إلى النتيجة بفضل ثقتها بالمخرج المبدع هنري بركات. وإذا كانت آمنة الصعيدية ذات تركيبة درامية معقدة تبحث عن ثأر شقيقتها، فإنهّا جسدت دور عزيزة في فيلم «الحرام» (1965) عن نص بديع للكاتب الكبير يوسف ادريس. فلاحة مطحونة تعاني القهر على جميع المستويات مع زوج عاجز أقعده المرض. زوجة لا تعرف سوى العوز وتقع في «الخطيئة» وتنجب طفلاً، لا تملك رفاهية الاحتفاظ به، فتقتله وتلقي به في إحدى المزارع. برعت حمامة في تقديم أحد أصعب مشاهدها في الفيلم وهي تلد طفلها، وكيف جسدت معاناة امرأة وقعت في «الرذيلة» من دون أن تصرخ خوفاً من أن ينكشف سرّها وتفضح.
أما شخصية نعمت في «أفواه وارانب» (1977) مع المبدع هنري بركات أيضاً، فهي من الشخصيات التي كسرت بها حمامة الصورة النمطية والتقليدية. تألقت مع المخرج الذي كانت تعتبره رفيق دربها، وتثق بكل ما تقدمه معه. وكما قدمت الأفلام الاجتماعية والسياسية، لم تتردد في بداية مشوارها في تقديم الكوميديا مع المخرج فطين عبد الوهاب في «الأستاذة فاطمة» (1952).
لكن المفاجأة الكبرى لجمهورها كانت في «الخيط الرفيع» (1971) لبركات أمام محمود ياسين. هنا، جسّدت دور منى السيدة التي تصادق من يمنحها أكثر، إلى أن تتعرف إلى المهندس الشاب (محمود ياسين) وتقع في غرامه وتترك كل شي لخاطره، وتساعده في مشواره حتى يحقق نفسه مهنياً. لكن عندما يفكر في تأسيس حياة كمعظم الرجال الشرقيين، سيختار زوجة يرضى عنها المجتمع. لذلك تصرخ قائلة: «يا ابن الكلب» وهي تمزق ملابسه بعدما هجرها وتزوج بأخرى.
واصلت حمامة تألقها واختياراتها الفنية المختلفة، مع مخرجين جدد منهم الراحل سعيد مرزوق الذي قدمت معه واحداً من أجمل أدوارها في «أريد حلاً» (1975) الذي جرى تغيير بعض قوانين الأحوال الشخصية بسببه، وتحديداً ما يتعلق بالمرأة التي لم تنجب ويطلقها زوجها، فلا يصبح من حقها الاحتفاظ بمسكن، وأيضاً جسدت دور الأرملة المسؤولة عن إعالة أبنائها رغم الظروف القاسية في «يوم مر ويوم حلو» (1988). هذا الفيلم قدمته مع مخرج شاب وقتها من رموز الواقعية الجديدة هو خيري بشارة، وبالجرأة الفنية نفسها، فيما لعبت بطولة فيلم «أرض الأحلام» (1993 ـ داود عبدالسيد) مع النجم يحيي الفخراني. لم تكن مجرد نجمة في سماء الفن أو أيقونة من أيقونات الجمال والرقة. فاتن حمامة حالة فريدة ومتفردة في تاريخ السينما، استطاعت تغيير شكل المرأة العربية وصورتها النمطية.