لم تكد تنطلق جريدة «العربي الجديد» في الدوحة، حتى جاء زمن الخضّات في غرفة القيادة. علامات استفهام عدة تطرحها التغييرات الحاصلة في هذه المؤسسة الاعلاميّة («الأخبار»، 4/ 9/ 2014)، خصوصاً أنّها جاءت بعد أشهر فقط على صدور النسخة الورقية من الجريدة التي تصدرها شركة «فضاءات ميديا ليمتد»، بين لندن والدوحة وبيروت… ويشهد لبنان حالياً حملة ترويجيّة لها.


هل التغييرات في هيكليّة التحرير مجرد تعديلات روتينية لا بد منها، من النوع الذي تشهده أي مؤسسة إعلامية بهدف تعزيز الفاعلية والإنتاجية؟ أم أنّنا أمام مؤشرات ينبغي التوقف عندها، تشير إلى إعادة تموضع فرضتها ظروف سياسيّة مستجدّة من شأنها أن تعدّل في خط التحرير؟ إلى أي مدى يجوز لنا أن نربط، كما فعل عدد من المراقبين والمحللين، بين ما يجري حاليّاً في كواليس المؤسسة، والخطوات الحثيثة التي ترعاها المملكة العربيّة السعوديّة، لتقريب وجهات النظر بين نظام السيسي في مصر والنظام القطري الذي يمتلك هذه الجريدة الناطقة باسم... «الربيع العربي»؟ ألم يُضحّى، على مذبح التقارب المشار إليه، بأداة إعلاميّة قطريّة أخرى هي «الجزيرة مباشر مصر» قبل أسابيع قليلة (الأخبار»، 22 / 12/ 2014)؟

وُضع وائل قنديل على
الرف «الذهبي» وأُعفِي من
رئاسة التحرير


في الأيّام الماضية، تمّ إعفاء الإعلامي المصري المقرّب من الإخوان وائل قنديل من مهماته كرئيس تحرير «العربي الجديد»، على أن يتولى المسؤوليّة موقتاً نائب رئيس التحرير الصحافي السوري بشير البكر. هذا هو الوضع القائم حاليّاً، في انتظار الاهتداء إلى شخصيّة إعلاميّة تقبل بلعب هذا الدور الحساس والصعب، في ظلّ المفكّر العربي عزمي بشارة: الإمساك بتحرير متشظ، موزّع على المدن والمدارس والحساسيّات من «يسار» الربيع العربي إلى «إخوانه». هل تعني التضحية بقنديل، الممنوع من دخول مصر، انتهاء الخط السياسي الذي يمنح الصدارة للتيّار الاسلاموي؟ أم انّها مجرّد عمليّة تجميل، وتلطيف، للنبرة الحادة التي يجسّدها قنديل؟ علماً بأن الأخير بات «مستشار التحرير»، وسيواصل كتابة مقالاته، لكن ماذا سيكون مصير كل الكتّاب المصريين الذين استقطبهم، والمعروفين بنفَسهم الاخواني ونقدهم الراديكالي للسيسي وحكم العسكر؟
هناك احتمالات عدّة وراء تهميش قنديل، ووضعه على الرفّ «الذهبي»، أهمها المصالحة المصرية ــ القطرية واحتمال عودة المياه إلى مجاريها بين الدوحة والقاهرة، واضطرار الصحيفة إلى ترجمة هذه المناخات.
وكان في سلّم أولويات ذلك الاتفاق السياسي التخفيف من حدّة الانتقادات تجاه الرئيس عبد الفتاح السيسي في المنابر والوسائل الإعلامية القطرية، لكن قنديل لم يلتزم. واصل كتابة المقالات التي تهاجم السيسي. ويرى بعضهم أن القشّة التي قصمت ظهر البعير كانت مقالاته على إثر مجزرة «شارلي إيبدو» في باريس، وانتقاده لتظاهرة باريس الشهيرة احتجاجاً على الاعتداء الإرهابي. ويشير هؤلاء تحديداً إلى مقالة «بهلوانات وقتلة في عزاء شارلي»، ومقالة «الدولة اللصة» التي انتقد فيها السيسي، وجاء فيها: «في حكم السيسي فقط: أنت تعارضني إذاً سأخرب بيتك. ابتسم فأنت مواطن في الدولة اللصة».
يبقى السؤال: هل تتبع خروج قنديل من رئاسة تحرير «العربي الجديد» تغييرات أخرى؟ من المحتمل أن تنعكس الخطوة على عدد من الصحافيين والكتّاب المصريين الذين يهاجمون نظام السيسي في مقالاتهم في الصحيفة. أما في باقي الأقسام، فقد طُلب من الموظفين والصحافيين التخفيف من حدّة الهجوم عليه، وهذا كان جليّاً في المواضيع التي نشرت أخيراً. لكن التساؤلات تدور حول أسماء بارزة مثل مدير التحرير أمجد ناصر الذي صار يكتفي بإرسال مقالاته من منزله من دون وجود منتظم في مكان العمل.
والمعروف أن الصحافي والشاعر الأردني المشار إليه، من الذين شاركوا في تأسيس «العربي الجديد»، ويمثّل حساسية «علمانيّة» في غرفة القيادة، لذلك قد يصعب الاكتفاء بما يشاع، لتفسير اعتكافه، عن دسائس وخلافات شخصيّة بينه وبين مسؤولين في الجريدة. الكل يُجمع على أنّ «العربي الجديد» أمام منعطف جديد، قد يدفعها إلى إجراء بعض التغييرات في كتّابها. ويجري الحديث عن نقل الجزء الأساسي من الطاقة الصحافيّة إلى الموقع الإلكتروني.
ويبدو أن التغييرات ستطال مكتب لندن بشكل أساسي. أما مكتب بيروت الذي يلعب دوراً أساسيّاً في المطبخ التحريري، فيخضع لمركزيّة صارمة: أي إن أبسط اقتراح لمقالة اجتماعيّة أو فنيّة، يحتاج إلى موافقة من لندن قبل تجسيده في مقالة.
باختصار، يرى بعض العاملين أن قرار عزل قنديل هو «هزّة أولى» في مسار الصحيفة التي يصفها إعلاميون في لندن بأنّها «إعلام أجندات». وبالتالي فإن خطّها وحجمها ووجودها تبقى رهناً بتذبذبات السياسة القطرية، وتحالفاتها الجديدة، وتحوّلاتها، ومصالحها في المنطقة والعالم.




في الفضاء

تستمر الاستعدادات للقناة التلفزيونية التابعة لـ«العربي الجديد» المتوقع أن يكون مكتبها الأساسي في لندن. ويبدو أن إدارة القناة لن تكون مرتبطة مباشرةً بإدارة الصحيفة، ومن المحتمل ألا تفتح مكتباً لها في بيروت، بل ستركّز على التعاقد مع شركات إنتاج في بيروت تقدّم لها بعض التقارير. كذلك سيكون التركيز على الأحداث في الدول الخليجية ومصر. وقد صدم بعض الإعلاميين والتقنيين بعقود العمل وبنودها، حسب معلومات نُشرت على المواقع الاجتماعيّة، ويصعب التأكّد منها.