القاهرة | بعد غياب سنوات منذ احتراقه عام 2008، عاد المسرح القومي المصري في «حي العتبة» في القاهرة لإضاءة أنواره بعد خضوعه لعملية تجديد وترميم. وكان عرض “وبحلم يا مصر” البداية التي أعادت الحياة إلى أقدم مسارح المحروسة الذي شهدت خشبته أول عرض لفرقة مصرية في كانون الثاني (يناير) 1921. العرض الافتتاحي دراما تسجيلية أعدها المخرج عصام السيد عن نصين لأحد رواد المسرح العربي هو نعمان عاشور (“بشير التقدم “ و”وبحلم يا مصر”).


ضمن قالب غنائي، يعرض العمل مسيرة الشيخ رفاعة الطهطاوي، رائد التنوير العربي، واعظاً أزهرياً في البعثات التعليمية التي أرسلها محمد علي إلى فرنسا، ثم طالباً فيها ومترجماً لها. يرصد دوره على مدى خمسة عقود في إنشاء مدرسة الألسن للترجمة، وغيرها من المدارس المتخصصة والعامة، ودعمه لحق المرأة في التعليم والعمل والمساواة مع الرجل، وترجمته لسلسلة من أمهات الكتب الغربية. وفي مشهد يسخر من الأفكار الرجعية لأحد شيوخ الأزهر خلال استعراضه للحرب التي خاضها الطهطاوي بسبب أفكاره المتحررة، انسحب ممثل المشيخة الأبرز إسلامياً من بين المدعوين. علماً أنّ حضور القيادة الأزهرية العرض مثّل حدثاً فريداً في تاريخ المسرح القومي.
وكان العمل قد تأجّل تقديمه كي يتزامن مع احتفالات إعادة افتتاح المبنى الذي شهد أكبر عملية ترميم في تاريخ المسرح المصري، بكلفة 105 مليون جنيه (14 مليون دولار) شهدت اتهامات بالفساد المالي وصلت إلى النيابة الإدارية، تلاها بلاغ من مجموعة مثقفين ومسرحيين للنيابة العامة. ورغم حشد إمكانات وزارة الثقافة كلها لإنجاز العرض الذي اختاره وزيرها جابر عصفور، الشغوف باستخدام مفردات التنوير، إلا أنّه كان مخيباً للآمال، لا يليق بأول مشروع على خشبة شهدت أمجاد عمالقة المسرح المصري. لم يقتد العرض بـ”تجديد وتمرد” الشخصية التي يحتفي بها، أي الطهطاوي، بل خرج تلقينياً أقرب إلى عروض التوجيه المدرسي. سرد معلومات بطريقة “الداتا شو” على شاشة خلفية في عمق المسرح، وأغنيات ساذجة وإخبارية طرحت أفكار الطهطاوي وكانت عاجزة عن تطوير صراع درامي.

عرض “وبحلم يا مصر” أعاد الحياة إلى أقدم مسارح المحروسة بعد احتراقه عام 2008

ورغم أنّ العرض ضم اثنين من أفضل الأصوات في مصر، أي علي الحجار ومروه ناجي، إلا أنّ حضور غنائهما بطريقة “بلاي باك”، أفقد أداءهما الحيوية المطلوبة، خصوصاً مع ثقل كلمات الأغنيات وضعف الألحان. في الأصل، بدا غريباً اختيار الغناء كآلية لطرح أفكار شخصية كالطهطاوي في سياق عرض تقليدي البناء. في السياق عينه، غنّت ناجي مرات بالفصحى ومرات باللهجة الصعيدية بلا مبرر فني. المدهش كان الإضاءة في عرض من هذا النوع، إذ جاءت أقرب إلى إضاءة الملاهي الليلية وحفلات الأفراح. أما الديكور الذي تأخر إعداده وتطلب تدريباً إضافياً للممثلين عليه، فكان بطله “قرصاً دوّاراً” احتل الحيز الأكبر من الخشبة، من دون دلالة درامية لتصميمه وهيمنته، مع الطبيعة الخطابية للعرض. ينطبق الأمر نفسه على ديكورات تتحرك آلياً من أعلى المسرح، بلا هدف محدد. هكذا أعاق ثقل الديكور استعراضات أحد افضل المصممين الشباب، مناضل عنتر، ليأتي حضوره أيضاً بلا معنى. إجمالاً، جُمعت عناصر العرض بلا رابط، ووسط زحام أضاع جهد مصممة الملابس نعيمة عجمي التي قدمت أزياء تتناغم فيها العناصر الجمالية والموضوعية للشخصيات،.
ضيوف شرف العرض، محمود ياسين، محمد وفيق، نبيل الحلفاوي، اشرف عبد الغفور، حضروا بكلمات مسجلة لشخصيات مؤثرة في حياة الطهطاوي، عُرضت على شاشة احتلت كامل مقدمة المسرح، من دون رؤية إخراجية، لتتحول إمكانات المسرح وتقنياته المتطورة من عامل إبهار إلى عامل استفزاز للمتفرج، بسبب ضعف الخيال في توظيفها فنياً.