لا يقدّم رفيق علي أحمد تلاخيص الأوضاع في لبنان والعالم العربي في “وحشة” التي تنطلق هذا الشهر في «مونو». إنه يمنح المنطق التزاماته ومحاكاته. لا يلخّص وهو يروي، بعيداً من التحريف والكذب المحض. لا شك في أنه أبرز الممثلين المومأ لهم خلال العقدين الأخيرين، مع فرقة «الحكواتي» اللبنانية و«فرقة الممثلين العرب» وفي تجارب يعقوب الشدراوي وغيرهم من كبار مخرجي المسرح والسينما. بيد أنه لم يرد أن يقدم نموذجاً عن الممثل المختلف فقط. بدا كالمصور الحاذق، حين راح يحول الحكايات العادية، حكايات الناس والبشر العاديين، إلى منح من الوحي لجمهور بقي بعيداً من الحكايات هذه لأسباب سياسية واجتماعية، أولها المركزة، وليس الرذل آخرها.


صاحب التوافق الفريد، بين الكتابة والإخراج والتمثيل، قدم المونودراما الأولى في تاريخ المسرح اللبناني. قدم يعقوب الشدراوي “مذكرات مجنون” منفرداً، لكن بقواعد منطق أرسطو على خشبة محشودة بالشعر والبلاغة وعلم النفس وسواها. منذ «الجرس» (1991)، قدم رفيق علي أحمد، إمكانيات التأثير الفعال في الجمهور الأوسع من خلال وجود مسرحي غاضب على الكسل المسرحي في أواخر القرن العشرين. الواقع وأعماله، الخيال وأعماله، على منصة واحدة. مذاك، أصبح للرجل درجاته في المعرفة، وتبني المسؤوليات الخاصة بالمسرح، مع “قطع وصل” و”الزبال”. ولأنه ليس أنانياً، ترك الإتقان كموضوعة غير منفصلة عن اللعب على خشبة يرمح عليها جسد واحد بأرواح عديدة، لمن وجد فيهم القدرة على العمل الجدي لتجديد الطاقة، في المبصرات المسرحية وتذاويقها. روجيه عساف وناجي صوراتي وآخرون، لعبوا أدوار سكب اللذة على لذة إخبار الناس بأخبارهم كأنها أخبار الآخرين، بأصناف لعب، أراد رفيق علي أحمد بها، تكميل الراحة.
مضى زمن على آخر مسرحيات علي أحمد. لا يعود ذلك إلى انهماكه بالدراما التلفزيونية، بل إلى “البحث عن اللذة اللاحقة بالصورة الفنية. الصعوبة كبيرة في تفهم ما يجري من انقلابات حذرية في العالم العربي والعالم، وتقديمها كأمثلة عن الخراب العميم السائد، بحيث لا نبدو إلا في الأندلس، بأيام حكم العرب الأخيرة هناك” وفق ما يقول. في “وحشة” التي تصوّر ما عليه وجوده من خلال وجود الآخرين، كرافض لكل أشكال القمع الفكري والجسدي، فإنّ الكلام على القضايا والأشياء بات شبه مستحيل، بعدما تحول كل عربي إلى قاض أو فيلسوف، أو الاثنين معاً. يقول: «وصلت إلى إدراك الملائم على الأصعدة الحسية والتخيلية والواقعية وعلى صعيد التذكر. مررت بالكثير من المراحل. كلما مضيت في الكتابة، استدعت الكتابة كتابة أخرى. كلما عنيت ما أردت أن أعنيه من الأشياء والقضايا الموجودة، خرجت قضايا وأشياء أخرى، لا كصور مشبهة، بل كصور موازية ومتداخلة. عندها، حدثت الكتابة الثانية. الأخيرة أصعب من الأولى. الاختزال مما كتبته، أصعب مما كتبته. حتى وصلت إلى الصيغة الأخيرة”.
زاوج رفيق علي أحمد بين العلمين الأساسين في المسرح، علم الكتابة وعلم المشاهد. الخلاصة “وحشة”. لا يريد أن يفصح عما يدور فيها كي لا يفسد متعة اكتشاف ذلك في صالة العتمة المسرحية، غير أن شخصيتها “كلوشار” هو بيروتي/ لبناني، بطل حكايات وألحان وأشعار ومحكيات ملذة ومؤلمة في آونة واحدة. “الشخصية، من الواقع. أخذتها من تعريفها الأول على أرض الواقع، ثم عملت على فائدتها وحضورها، لا من خلال “مقدار الملح في المأكول” كما يقول أرسطو، بل من خلال ما ينبغي إشهاره بين السعيد والمتعب والمشقي. ما نراه على الخشبة، ليس حالة معاينة. ما نراه حظوة الإنسان بروحه، أمام مناهج التجاهل الدارجة في لبنان في هذه الأثناء على الصعيد الإنساني والسياسي. لا تتفرد الصور القبيحة، المستبشعة، بالحضور على خشبة المسرح. ثمة ما هو حسن بنفسه، من نفسه، ومن الآخرين. غير أن “وحشة”، كاشفة، صادمة، محاربة ومقاتلة إبهار النفس بكل ما هو غريب وعجيب”.
يشير إلى حقائق الصور بالغريب والعجيب. “ثمة جيل جديد، عنده نقوش حياة لا لغة حياة. ذلك أن السمة العامة تقترب من الأشياء الهزلية، مع انتشار وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، على حياة هؤلاء الشباب. احترم طرق تفكيرهم، غير أن سلوكهم، لا يقدم إلا أسباباً محددة للحياة. واتس آب ومساجات وهواتف بيد، وكؤوس باليد الأخرى. لا تقوم الحياة مقام التعليم هنا. لا أقول أن هذا كريه، إلا أن الحياة أوسع وأرحب، وأكثر واقعية، من العالم الافتراضي السائد”.
اللعب مدخل في الإنسانية، لا ينكر رفيق علي أحمد ذلك، ولو أنه ميال إلى المعاينات المختلفة. تطرح المسرحية الكثير من النقاط الخلافية بين الإنسان والإنسان الآخر، بين الإنسان وذاته. في المسرحية، نسبة إفصاح عالية. الجروح غائرة، الندوب هائلة، يتصدى لها رفيق علي أحمد، بنزعة إنسانية، مبنية على جماليات حسية، محصلة من ارتجال الحضور من الحضور. الفردي اجتماعي، والاجتماعي ليس ترجمة مباشرة للطبائع. جديد “وحشة” وحشة الفرد ووحشية الناس والكرة الأرضية. ينقل الرجل الصور بطرق مبتكرة، بإشراف عقل، يطبع نفس المشاهد بقوة الطرح. “لست طبيباً ولا محامياً. لست مداحاً ولا هجاء. أنا ابن مسرح، بأطباعه اليونانية والرومانية القديمة، وأطباعه الجديدة. هكذا، ابتعد من التعليق، لصالح الجماليات البصرية. هناك مفاجآت كثيرة في “وحشة”. أصوات طبول، تقرع في خلفية النص. تنتشر في المحيط، كأجراس إنذار، تقرعها أيد خفية. هذه مسرحية تكوين مختلف، هذه مسرحية إبداعات وصناعات وصور وتأليفات، بأفعال سلوكية وعلمية وعملية خاصة. ذلك أن المسرح عندي أشرف الصنائع”. 15 كانون الثاني موعد العرض الافتتاحي لـ “وحشة”. رفيق علي أحمد من جديد، وحيداً على منصة مشغولة بالشغف والدربة والمعرفة والرغبة بالخروج من أوهام الناس إلى حواسهم. الموعد قريب، لا يفوت، مع مصوغ لا يشبه النماذج السابقة، إلا بالشروح المسرحية.




«وحشة» لرفيق علي أحمد: بدءاً من 15 كانون الثاني (يناير) حتى 8 شباط (فبراير) ـ «مسرح مونو»