عن تيمة الموت رأوا. كان الموت الذي تحدثوا عنه يخرج من العيون، من عيونهم وعيوننا ويقبع على الخشبة. فككنا تراجيديته معاً. لم يكن الأمر ذا صعوبة فائقة. لم يكن كافياً أن يقدموا عرضاً واحداً. قدموا عرضين. إذا قصدتم «مونو» في هذه الليلة العاصفة، فسوف تلتحفون الموت. سوف يكون بارداً. برغم ذلك، سوف تشعرون بألفة وجوده. هذا ما ستجنيه فرقة «زقاق» عليكم في يومها الأخير لعرضيها المتمحورَين حول تيمة الموت. هما عملان من إخراج ثنائي (مايا زبيب، عمر أبي عازار) وإعداد جماعي، جاءا نتيجة عمل بحثي امتد لمدة عام حول موضوع “الموت والخلود في المجتمع المعاصر”.


«الموت يأتي من العيون»: هذا العرض هو بمثابة مقاربة أولى تمهد لما ينتظرنا في العرض الثاني. مايا زبيب وكريستيل خضر، ممثلتان على خشبة «مونو» الصغيرة تخرجان الينا من الكواليس وتعودان إليها بصمت. توأمان لنفس واحدة شظّتها صور الموت. مايا الجسد الذي يجرّ روحه (كريستيل). مايا التي تدخل مبتسمة دوماً، وكريستيل التابعة لها ذات الأحاسيس المضاضة، المتناقضة، الملتبسة. في هذا العرض، ستستحضر الممثلتان صوراً متعددة لمشاهد موت من لبنان في الثمانينات، ومن حقب مختلفة بدءاً من مايكل أنجلو وصولاً إلى بغداد وغزة في الآونة الأخيرة، وختاماً بالصورة التي تجسدت أيقونة “الموت المنتظر” للمصور الشهير كيفن كارتر، الذي قضى انتحاراً بعد عام ونيف من أخذه لصورة نسر ينتظر موت طفلة سودانية. تلك الصورة الشهيرة التي نال بسببها كارتر جائزة «بوليتزر» كلفته حياته. بات مهووساً بصور الموت. يسائل هذا العرض الموت من خلال الصورة، من خلال إعادة تمثيل أو تركيب صورة الموت أينما حلّ.

كانت مشهدية النص هي
الأبرز والأقسى
حين نبصر الموت أمام عيوننا، ولا نملك قدرة التحكم فيه أو تأجيله، نكون في مرحلة نعدّ فيها للحظات موتنا. في هذا العرض، هناك احتفالية في الخلفية: وليمة على شرف كل تلك الصور التي جعلت الموت فعلاً مينيمالياً على الخشبة تختلط فيه قسوة الكلمات بعيون تبرق بحياة رفضت الموت وقررت في كل لحظة الاحتفاء. الاحتفاء بما مات فينا حين أبصرنا الموت صورةً. أما العرض الثاني «هو الذي رأى»، فقد اعتمد فريق الإعداد على أسطورة جلجامش وأبحاث طاولت آرتو وغيره. جوقة تطلق العنان للموت: نعود الى بغداد. مسرح مهدم. جلجامش الذي قتلت الآلهة صديقه أنكيدو، وذهب يبحث عن معنى للخلود، هو أيضاً الممثل الذي مات صديقه هاشم، الذي قام من موته ليعتذر عن كل الجثث التي ماتت ومثلّها. اعتذر لأنه لا يستطيع على الخشبة إلا التلقح والموت. هنالك خطوط متوازية للعرض تخلط أسطورة جلجامش بحيز الممثل الذي يسائل لحظة فعله على الخشبة، بنصوص “جوقاتيه” تحيلنا على تأويلات الموت اللا متناهية التي تكثف إيقاع المشهدية الكلامية أحياناً، وبدمج بعض الموروثات الثقافية الشعبية (أغنية الهوارة، الخروف الذي يذبح أضحية) بسينوغرافيا فصلت تماماً عن سياق العرض في خلفية الخشبة. أضف إلى هذا كله الأبعاد السياسية والدينية التي ضمنها العمل عبر حصول أحداث العرض في بغداد، ولبنان مع نص النهاية الذي يعرّج على فلسطين وسوريا والأردن. في كل تلك السياقات، كانت مشهدية النص هي الأبرز والأقسى، كما لو أنه قصد أن تبقى مشهدية الخشبة منمنمة تكسب قوتّها من النص، كما لو أن المخرج قصد محو صورة الموت الملموسة أو خلق الصورة – المضادة (Anti-image) لها التي تجسدت في الصورة التي تركبها مخيلّة المشاهد وفي السينوغرافيا المنفصلة عن سياق العرض. صورة الموت تلك بلغت حدها الأقصى بمشهد فريد بجماليته، حيث الممثل يتحول الى مهنة عارض أزياء (جنيد سري الدين) حيث يصبح التعاطي مع الموت أكثر خفة، حينها نستطيع أن “نمشي فوق الجثث”.
في سياق منفصل تماماً عن العرض، ثلاثة أفراد يتنقلون بهدوء فائق في خلفية الخشبة ويرسمون جدارية تتوسطها شجرة الحياة عبر مجموعة من الأقمشة. اعتمدت السينوغرافيا (نتالي حرب) فن الـ Arpilleras الذي يعتمد على حياكة النساء بطانيات ذات رسوم على نحو جماعي تعبيراً عن رفض العنف. هكذا أراد فريق «زقاق» ترك حيز السينوغرافيا، منفصلاً عن حيّز الفعل المسرحي لأن صورة الموت توازي فعل الموت بحد ذاته بل تضاعفه. فماذا لو كانت تلك الصورة هي الصورة المضادة للموت؟
هذان العرضان يمثلان في طرحهما محطة أساسية في مسيرة «زقاق»، وهما امتداد وتراكم لعمل الفرقة الدؤوب، لكن يبقى على الفرقة العمل بجدية لأرشفة وطباعة النصوص التي عملت عليها حتى الآن. وربما عليها توخي الحذر من خطر وقوع بعض أدواتها في التنميط، فمن يتابع أعمالها الأخيرة، يلاحظ وصولها الى صيغة معتمدة في الغالب: مخاطبة الجمهور مباشرةً، بدء العرض بجوقة تتلو نصاً مقفى يحيلنا على كل تأويلات الحالة المذكورة. الممثل الذي يسائل فعله المسرحي على الخشبة، العودة الى الموروث الشعبي وتفكيك الكليشيهات. طبعاً تمثل تلك العناصر جزءاً من هوية «زقاق»، ولكن المطلوب هو فعل استباقي لما قد يصبح لدى المشاهد فعلاً متوقعاً يبعدنا عن جماليات وأبعاد الفرجة «الزقاقية».