تستقبل فرقة «زقاق» السنة بعروض عن الموت. في «مونو» بصالتيه الكبيرة والصغيرة، تقدم الفرقة عرضين «الموت‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬العيون» و«هو الذي رأى» كنتاجين لانكباب «زقاق» على البحث والعمل حول موضوع الموت والخلود. بتكليف وإنتاج من مهرجان Schwindelfrei المسرحي، قدمت الفرقة «الموت يأتي من العيون» للمرة الأولى في مانهايم الألمانية عام ٢٠١٤ قبل أن نشاهده اليوم في بيروت.


عرض قصير (٢٠ د) تؤديه مايا زبيب وكريستيل خضر على خشبة «مسرح مونو» الصغير (إخراج مايا زبيب وعمر أبي عازار) متناولاً مسؤوليتنا في مواجهة تمثيلات الموت الذي يحيط بنا اليوم من خلال وسائل الإعلام. في العرض، تضع الممثلتان قناعين خفيّين: قناع السعادة على وجه مايا الدائمة الابتسام حتى في أكثر اللحظات دراميةً، وقناع التعاسة على وجه كريستيل.
الممثلتان كمهرجتين (السعيد، والتعيس) تخبراننا عن الموت، عن ميتات تاريخية درامية و«عظيمة». بوعي كامل ومنطوق، تقرر الممثلتان البحث عن لحظة الموت الأكثر درامية لتقدمانها لنا نحن الجمهور على خشبة المسرح. على طاولة وليمة، مع باقة من الزهور، وشموع، وصحن فاكهة «عرمرميّ»، وكأس نبيذ أحمر، تلتهم مايا زبيب بهدوء دجاجة مشويّة فيما تطلب منّا أن نشاهد كريستيل خضر تمّثل موتها. تضع بعض الموسيقى الكلاسيكيّة الجنائزيّة لجرعة إضافيّة من الدراما. على الخشبة أرضاً، تمثّل كريستيل موتها بدراميّة فائقة.

اعتماد مسرح الكورس الإغريقي الذي يتواصل مباشرة مع الجمهور ويسرد النصّ المسرحي كلاماً ولحناً

إعادة تمثيل لحادثة محاولة وصول الطفلة السودانيّة إلى مركز للطعام فيما ينتظرها نسر لتموت، فيلتهمها. لحظة خلّدها المصور كيفن كارتر بعدسته عام ١٩٩٣ لتصبح أشهر صورة في التعبير عن إشكاليّة علاقة الميديا بالموت.
حين تنقل مشاهد الموت، تلجأ وسائل الميديا غالباً إلى ستر وجه الضحايا، وعرض الأشلاء الجسديّة مبكسلة، أو إلى قطع المشهد قبل وصول السكين إلى رقبة الضحية لتنحره، مبررةً شهوتها نشر الصورة عبر زعمها بأنها تحافظ على مشاعر المشاهد. كأنها لا تعلم أنّ مخيلّة الإنسان أقوى من بصره. في «الموت يأتي من العيون»، لا يلجأ العرض إلى تلك الوسائل «الرخيصة»، بل على العكس يدعونا إلى المضي في شهواتنا المريضة حتى التطرف، فنحتفل بالإجرام والموت، كما فعل بازوليني في فيلمه «سالو»، علنا نرتجف أمام فظاعتنا، فنتوقف قليلاً لنفكّر بما يحصل حولنا ونتّخذ موقفاً مغايراً.
على الخشبة الكبيرة، شاهدنا عرضاً ثانياً تلا الأول يحمل عنوان «هو الذي رأى» (إخراج عمر أبي عازار ومايا زبيب) ويشارك في أدائه: لميا أبي عازار، وهاشم عدنان، وكريستيل خضر، وجنيد سري الدين ومايا زبيب.
يتناول «هو الذي رأى» أيضاً موضوع الموت في المجتمعات المعاصرة انطلاقاً من ملحمة جلجامش. واستوحته الفرقة أيضاً من أعمال أنطونين‭ ‬آرتو،‭ ‬وهوارد‭ ‬باركر، ‬ومحمود‭ ‬درويش،‭ ‬ومارغريت‭ ‬دوراس،‭ ‬وكريستا‭ ‬وولف،‭ ‬وفراس‭ ‬السوّاح... يستعيد العمل رحلة جلجامش للبحث عن الخلود. رحلة تسقطها «زقاق» على مدننا المعاصرة من بغداد مروراً بالشام وصولاً إلى غابة الأرز في لبنان.
مدن تغرق اليوم في بركة الدم ويسيطر عليها الموت. في «هو الذي رأى»، تلجأ «زقاق» إلى أسلوبها الذي اعتمدته في أعمالها الأخيرة. يرتكز العرض إلى التقنية المستوحاة من مسرح الكورس الإغريقي الذي يتواصل مباشرة مع الجمهور ويسرد النصّ المسرحي كلاماً ولحناً، فيما يبقى التكرار العنصر الأساسي المسيطر، أكان في الكلام، والفعل المسرحي، أو الشكل، تاركاً مجالاً لمشاهد ثنائية من وقت إلى آخر. ذلك القالب والطرح المسرحي بدأ مع الفرقة منذ «هاملت ماكينه»، ثم تبلور في «أليسانه، التدريب على الطاعة». بعدها، جاء «جنّة، جنّة» ليبدو فيه هذا القالب مكتملاً بعناصره التي مزجت الكورس الإغريقي بالفلكلور الشعبي، والسرد الحكواتي، والمونولوجات الدرامية ضمن تركيبة ناجحة استطاعت أن تطال جمهوراً واسعاً وتأسره في لحظات تتأرجح بين الفرح والتعاسة.
لا شكّ في أن جميع تلك العناصر المسرحية من كورس وتكرار وغناء (فولكلور أو ندبيات) مؤاتية جداً لموضوع مثل الموت، لكنها هنا في «هو الذي رأى» لم تكن كافية لملء فراغ الخشبة الكبيرة، لا بل غرق العرض في تكرار لسرديات تحوّلت كلاماً تفرّع شيئاً فشيئاً عن معناه، فبدا ناقصاً في فعله المسرحي المتماسك. يبدأ العرض أمام الخشبة مع عبارة «مات رفيقي مبارح... بس ما حسيّت بشي». شعور ثقيل جداً يحمله لنا الممثلون في البداية. لكن بدلاً من الغوص في ذلك الإحساس، اللاشيء، في فظاعته، وصداه الأليم، وهستيريته الصامتة، حملنا الممثلون معهم إلى خشبة فارغة إلا من لوحة عملاقة من القماش تتركب ببطء في عمق المسرح (سينوغرافيا نتالي حرب، رسومات جوزيف قاعي) فيما الممثلون يتناوبون على مشاهد الكورال ومشاهد ثنائيّة لرحلة جلجامش المعاصرة. رحلة بقيت عالقة في السرد والغناء، في رسم خطوط تربط بين عراق وسوريا ولبنان الأمس وتلك اليوم من دون أن تبني على تلك الخطوط فعلاً درامياً معاصراً. رحلة ربطت بين الموت في رواية جلجامش والموت الذي يحيط بنا من كل صوب اليوم من دون الغوص في تفاصيل تحاكي الحاضر وتلمس الفرد المعاصر، ومعنى الموت المتلفز (أو على قنوات التواصل الاجتماعي) وعلاقتنا به. ما يبقى مثيراً في عمل «زقاق» إصرارها على اختيار البحث عن مواضيع شائكة، والتجريب في قوالب مسرحيّة خاصة بها.



«هو الذي رأى»: 20:30 مساء اليوم ـــ «مسرح مونو» (بيروت) ـ للاستعلام: 01/218078