يا كاتب، العالم تغيّر، ولم تعد نصوص ثورية مثل «مانديلا» تثير الجمهور»... هكذا ردّ عليه رفاقه القدامى بعدما تحوّلوا إلى موظفين في «مسرح الدولة»


الجزائر ــــ احميدة عياشي *
فبراير 1987: كنت أجلس مع كاتب ياسين في شقته في حي بن عكنون في العاصمة الجزائرية. كان كئيباً، شبه يائس، يدخّن بصمت. قال لي كالمستسلم: «15 سنة كلها ضاعت مع الفريق». كان يقصد فرقته في سيدي بلعبّاس التي كان يديرها، ولم يعد يعرفها بعد سنوات النضال من أجل «مسرح شعبي ثوري». تبدّل الرفاق ولم تعد لهم ذات الهواجس والهموم، وكانت تلك لحظة الطلاق التراجيدي بين كاتب وفرقته.
يوم قرر صاحب «الرجل ذو النعل المطاطي» العودة إلى الجزائر في السبعينيات، كان يحمل مشروعاً رومانسياً جميلاً، أقرب إلى مشروع تشي غيفارا: أن يجعل من المسرح أداة للتغيير والثورة. وقد وجد ضالّته في «مسرح البحر» الذي كان يشرف عليه المسرحي المجدّد قدور نعيمي. كان فريق «مسرح البحر» مؤمناً بالثورة والتمرد على كلّ الأشكال التقليدية.
جرى اللقاء بين كاتب ياسين وقدور نعيمي عبر المناضل التاريخي في جبهة التحرير، علي زعموم، الذي استقبل تشي غيفارا حين زار الجزائر في الستينيات. منذ اللقاء الأول لكاتب ياسين وفريق قدور نعيمي، شعر صاحب «نجمة» بأنّ حلمه بخلق مسرح شعبي قريب من العمال تحقق، وبأنّه سيتمكن من إحداث قطيعة مع مساره الأول كروائي يكتب إلى نخبة باتت غريبة عن الجماهير. وكان أول عمل اقترحه على «مسرح البحر» هو نص «محمد خذ حقيبتك».
كان طموحه أن يجعل مسرحه الجديد ناطقاً بلغة الناس المغمورين. وكانت «محمد خذ حقيبتك» تعريةً وفضحاً للسياسة العنصريّة المنتهجة ضد المهاجرين في فرنسا. ارتكزت على أبطال مغمورين وحاولت أن تستلهم التراث الغنائي الشعبي المحلي.


كان طموحه أن يجعل مسرحه الجديد ناطقاً بلغة الناس المغمورين

بعد نجاح «محمد خذ حقيبتك» في الجزائر، وعند جمهور العمال المغاربة المهاجرين في فرنسا، أنتج ياسين «حرب الألفي سنة» و«ملوك الغرب» و«فلسطين المخدوعة». وكانت تلك النصوص تكوّن نصاً ملحمياً واحداً، يمتزج في بوتقته الحلم الثوري الرومانسي بالغنائية الشعبية. كان ذلك يمثّل مرحلة جديدة من حياة كاتب ياسين المسرحية. مرحلة مختلفة عن كتاباته الأولى بالفرنسية. في مرحلته الجديدة، منحَ السلطة للقول السياسي، عبر المفردة الشعبية البسيطة والمتقشفة التي تحمل شاعريتها في عنفها ومباشرتها وسخريتها. لكن هذا التوجه الجديد الذي وجد في البداية دعماً من السلطة سرعان ما وقع في مأزق قاتل متعدد المستويات، جمالي وسياسي وبنيوي.
الجمالية التي تبنّاها ياسين، وتمثلت في توظيف الغنائية واللغة الشعبيتين، بدأت تفقد ألقها مع أفول الحماسة الثورية الرومانسية، وتحوّل جبهة التحرير الجزائرية إلى حزب شمولي صادر كل الموروث النضالي والثقافي والشعبي، وفرض رؤية ترى إلى الثورة بنظرة مهيمنة وجامدة وشبه أسطورية. كما أن تلك الجمالية التي استوحاها كاتب ياسين من الثقافة الشعبية، لم تتجاوز المستوى التجريبي البدائي إلى مستوى مشتغل عليه. أما على المستوى السياسي، فالسلطة التي كانت تحتاج إلى هذا المسرح الثوري خلال المواجهة المعادية للإمبريالية، أصبحت تتضايق من نبرته الانتقادية، فضيّقت عليه وفرضت رقابة على وسائل الإعلام الكبرى، وشجّعت الحملات ضدّ مسرح كاتب ياسين من الدوائر السلفية.
على الصعيد البنيوي، ففرقة كاتب ياسين التي أصبحت تنشط ضمن ما يسمى «مسرح الدولة»، وجدت نفسها في فخ حدَّ من قدرتها على النقد والتجديد. ما أدّى إلى نهاية تراجيدية، ليس لطموحات كاتب ياسين الثورية فحسب، بل لأعضاء فرقته الذين تخلوا عنه، اعتقاداً منهم بأن التضييق الذي مُورس على أعمالهم يعود إلى «مواقف كاتب ياسين الراديكالية والمتطرفة تجاه نظام الحكم في الجزائر». وكانت لحظة الطلاق النص الأخير الذي اشتغل عليه حول الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا (راجع الكادر). عندما عرضه على فرقته، ردّ عليه رفاقه القدامى: «كاتب، العالم تغيّر، ولم تعد نصوص ثورية مثل نصّ«مانديلا» تثير الجمهور». كانت الفرقة منهكة، ولم يعد أفرادها الذين تحوّلوا إلى موظفين في مسرح الدولة، مستعدين لخوض مغامرة تكلّفهم متاعب في غنى عنها. هكذا، انتهى الحلم الثوري وتحطم المشروع الطموح الذي حمله مسرح كاتب ياسين. وكانت تلك النهاية التراجيدية لمغامرة اسمها مسرح كاتب ياسين.


(*) مقتطفات من نصيّن لعيّاشي ينشران قريباً ضمن ملفّ في جريدة «الجزائر نيوز» التي يرأس تحريرها