«غاليري أيام» ــ دبي تستضيف معرضه الجديد



يرسم كأنما لـ«ترويض الأذى»، ويجنح إلى أسطرة أشياء الحياة اليوميّة، مطلقاً العنان لحيواناته ذات الوجوه البشرية، ونسائه المُجنّحات. جولة على لوحات هذا الفنّان المغامر، المتكئ إلى التعبيريّة الألمانيّة، حيث نلتقي موناليزا بالكمّامة، و«مريم» الفلسطينية التي لا تفارق مخيّلته المحمومة


دبي ـــ حازم سليمان
كل شيء جائز في لوحات أسامة دياب (1977): حيوانات أسطورية بوجوه بشرية، نساء مُجنّحات، قديسات، قلوب تطير في فضاء مُبهم، موناليزا تضع كمّامة... تفاصيل ورموز تندرج ضمن تجارب تُمثل مرحلة متقدمة في مشروع هذا التشكيلي الفلسطيني الذي أنجز أعماله السابقة في مناخات تعبيرية وتشخيصيّة لا تخلو من غواية النحت، ومن «مريم» تلك الشخصية التي عاشت طويلاً في أعماله كرمز للقضية الفلسطينية، ولشكل من أشكال الحنين إلى وطن سمع عنه ولا يعرفه. في معرضه الذي تستضيفه «غاليري أيام» في دبي، يمضي دياب في لعبة بصرية تضع أعماله الجديدة على حافة الإدهاش أو الانهيار. إدهاش يتمثّل في الانزياح عن صنعة الفن بمعناه الأكاديمي، وانهيار يجعل هذه الأعمال التي لا تنهض من ثوابت فنية تقليدية، عرضة لاحتملات الفوضى، والتكرار، وافتقاد حميمية التواصل مع عين المشاهد. في نهاية المطاف، تمثّل الحافة التي يمشي عليها دياب رغبته في المغامرة، وتقديم تجربة تنحاز إلى الفطرة والوحشية والتعبيرية الألمانية. هذه المدرسة قد تكون بمثابة المرجعية لأعمال تنسف قدسية الشكل باعتباره أمراً منجزاً في الواقع، وتعمل على تحميل العمل شحنات عاطفية قوية، وتأجيج فعل التخيل والأسطرة. كل ذلك بالاستناد إلى المبالغة في تدعيم قوة اللون الواحد غير المخفف، أو المتداخل بحساب مع ألوان أخرى، للحفاظ على صفاء اللون الواحد وقدرته على نقل حدة الانفعال وقسوة المعنى.
يشتغل دياب على فضاء لوحته، فيؤسسه عبر طبقات لونية غير منضبطة إيقاعياً، لكنها تعطي اللوحة فراغاً يستوعب كل هذه التكوينات التي تضجّ بالصخب والحياة، إضافة إلى الحراك الفوضوي لعناصر اللوحة. العدائية واضحة لدى هذه الأشكال غير المتجانسة، وهناك رغبة مُضمرة في الانقضاض على الغير. مناخ اللوحات متوتّر، قلِق، يصعب التكهن بنتائجه، وخصوصاً أنّ أعمال هذا الفنان لا تتحلى بصفة الاكتمال. ثمة ما يوحي بأنّها تجارب قابلة للاستكمال في أي لحظة. هي تمشي في خط مواز مع المواضيع التي تطرحها... مواضيع تنبع من الراهن واليومي، ولا تخلو من العنف، في ما يشبه حالة من «ترويض الأذى»، والتآلف مع شجن سياسي قديم ومتجدد.
تنتصر أعمال دياب لحساسيّات بسيطة على مستوى الألوان التي يُقصي فتنتها، تاركاً لعبة التزيين، لمصلحة شكل ومناخ تزدحم فيهما تعبيرات شكلية لا تخلو من أسطرة للأشياء العادية، وتحميلها هالة من القداسة أو القذارة حيناً، وقدراً من حكائية طفولية تستند إلى الكثير من المرويات الشعبية الشهيرة مثل «ليلى والذئب» أحياناً.
وفجأة، تدخل هذه الأعمال في جملة من الرمزيات السياسية، والدلالات المرتبطة بالقضية الفلسطينية. هنا يخرج الفنّان من مفرداته المألوفة، لمصلحة مضامين تنتصر للوجع البشري... كأنه يقول إن «المغامرة في الشكل الفني ليست إلا تجربة في سياق منح الموضوع المحوري شكلاً جديداً، وملامح تتجاوز الأدوات التعبيرية التقليدية والمألوفة في كثير من التجارب البصرية ذات الهم الفلسطيني والإنساني عموماً». أخذت المغامرة في الشكل هنا بعداً شعبياً، محاولةً الاقتراب من مخزون بصري فطري، ومن جداريات الشوارع التي تحمل في طيّاتها رسائل الاحتجاج والتمرد على الواقع. لذلك، نجد في الأعمال الكثير من التعبيرات المباشرة («بحبك»، « ليش»، «كذب»...)، وغيرها من الكلمات التي تندمج في مدار أسئلة واستفسارات تعيش في صلب هذه التجارب التي يتجاوز عددها 15 لوحة، منها ما تُرك بلا عنوان، ومنها ما حمل عناوين مثل «أقنعة»، أو «ليلى والعصفور»، أو «غزة»...


ثمة فساتين معلّقة، وأحذية نسائيّة مرمية على عجل، وأزهار لنساء غائبات

على حواف تلك القسوة والتمرد، ثمة حكايات موازية حاول دياب تجسيدها عبر تجارب البورتريه اللاملمحيّة. أعمال تنقل جملة من التعبيرات الإنسانية التي ينبغي قراءتها من الداخل إلى الخارج، لا العكس. مثلاً، جاء بورتريه دياب من دون ملمح خارجي، أقرب إلى التشظي، والانفلات من قيده وبروازه. إلا أنّ الفنان أبقى على مفاتيح بسيطة للاقتراب من كائناته، كالحفاظ على ملمح غبش للعيون، أو الاشتغال على الجسد الأنثوي بعد نفي وجوده. ثمة فساتين معلّقة، وأحذية نسائيّة مرمية على عجل، وأزهار لنساء غائبات. تحمل تجربة دياب الكثير من الإغواء والنفور في آن. هي حيرة تأخذ عدواها من الأعمال نفسها، من ذلك التوتر المقترن ببرود لونيّ حيناً، ووحدانية حيادية كما في لوحات الفساتين. في نهاية المطاف، نحن أمام فنان مغامر، يبحث ويجرب وينقلب على الكثير من القناعات البصرية، ويجمح عبر خطوطه المتمردة المتحفظة. يتعرّى أمام لوحته ليقصي خجل المبدع، وليقول صارخاً «خلعت ثوبي لأرتديك».

حتى 25 شباط (فبراير) ـــــ «غاليري أيام» (دبي) ـــــ للاستعلام: +97143236242
www.ayyamgallery.com



مريم... والنووي

ولد التشكيلي الفلسطيني أسامة دياب عام 1977 في سوريا. تخرّج من «كلية الفنون الجميلة» في دمشق عام 2002. تأثّر بطفلة فلسطينية تُدعى مريم، كانت تحلم بالذهاب إلى المدرسة واللعب بعيداً عن شبح الحرب. هكذا، التصقت مريم بكل أعمال أسامة في مرحلته الأولى، وظلّت تظهر في أعماله وفي معرضه الجديد الذي يقام في «غاليري أيام» في دبي.
قضية أخرى تشغل الفنان الشاب هذه الأيام. وقد ترجمها في لوحته «موناليزا الجديدة» (2009) التي يضمّها معرضه الجديد. شخصيّة دافينشي الشهيرة تضع كمامةً هنا، وحولها طائرة وصاروخ. لوحة جاءت لتعكس الهواجس الجديدة للفنان، وقلقه من الأسلحة النووية. يقول: «قريباً، سنتساوى جميعاً في الخوف والضرر والاضطراب»، مضيفاً: «لا يمكن الفنّ أن يهرب من تلك المخاوف... إنها القضيّة التي ستشغل العالم كلّه في المرحلة المقبلة».