خليل صويلح

ماذا لو أبقى إمبرتو إيكو العنوان الأولي الذي اختاره لروايته «اسم الوردة»؟ بالتأكيد سيذهب النص إلى منحى آخر في التلقي، وخصوصاً إذا علمنا أن الاسم الذي كان قد اختاره هو «دير الجريمة». نحن أمام رواية بوليسية إذاً. لكن فضاءات الرواية أبعد من هذا التخيّل، وهو ما حدا صاحب الرواية إلى أن ينحّي الاسم جانباً لأنه «سيقود بعض القراء المعدمين إلى التهافت على كتاب قد يخيّب آمالهم». هكذا استقر على «اسم الوردة» بناءً على مقطع شعري أورده لراهب عاش في القرن الرابع عشر. المعضلة لا تتوقف عند العنوان، بل تتجاوزه إلى آليات السرد وكيفية بناء النص بما يتلاءم مع مكان الحدث. أسئلة كثيرة يطرحها إيكو في «حاشية على اسم الوردة» (تعريب أحمد الويزي، «دار التكوين» ــــ دمشق) لتفسير المطبخ السرّي للكاتب، وسيرورة السرد وفقاً لأهواء النص، لا صاحبه. يروي أنه جمع وثائق تتعلق بالعصر الوسيط منذ 1956، وكانت وجهته أن ينجز كتاباً يؤرخ للوحوش. وفجأة لمعت في ذهنه كتابة رواية تجري أحداثها في العصر الوسيط في دير للرهبان. انكب الأكاديمي الإيطالي وعالم السيميائيات ثلاث سنوات على بناء خريطة للمتاهة التي ينوي إنشاءها بقياسات هندسية صارمة تتلاءم مع جغرافية الدير المتخيّل، ثم قراءة صحف العصر الوسيط وتعيين أشكال السرد وبنية الإيقاع والنّفَس الروائي. بدأت فكرة الرواية في 1975 بعد عثور إيكو على خزائن من الأرشيف تتعلق


يدخلنا الكاتب إلى مطبخه السرّي وكواليس لعبة السرد

بحياة الرهبان وأسرار العصر الوسيط. لكن كيف نروي حكاية؟ سؤال ماركيز، سيتردد في ذهن إيكو، ليخلص إلى أنّ «القناع هو ما ظل ينقصني». لم يهمل إيكو تفصيلاً، حتى إنّه حصر عدد درجات السلّم اللولبي في الدير، ومتاهات المكتبة ليدشنها أخيراً بحارس أعمى، هو بورخيس بلا شك، وصولاً إلى شخصية القاتل. ويلفت الكاتب الإيطالي الشهير إلى أنه ظلّ ثلاثة أشهر يشتغل على تخيّل المكتبة/ المتاهة، بما يتطابق مع معطيات العصر الوسيط. لا يكفي أن نحدد إحداثيات المكان، علينا أن نفكّر بالوحدات المكانية التي تغلّف حياة مكان له سمات السجون والمعتقلات. ستحضر في باله رواية «عوليس» لجيمس جويس بوصفها نموذجاً لتوزّع الأحداث على ساعات اليوم. ولعل أبرز أفكار إيكو هنا هي كيفية الإمساك بالإيقاع لإغواء القارئ. يقول: «الدخول إلى عالم أي رواية، هو أشبه بجولة للتنزه في الجبل. يقتضي ذلك اختيار نَفَس معيّن أثناء المشي، والتقدم بخطوات موتورة، وإلا توقف المرء فوراً عن مواصلة التجوال».