تجربة ربع قرن من العيش في المقاهي البيروتيّة، يكتبها الإعلامي والشاعر اللبناني. نصوص «قهوة سادة» (الدار العربيّة للعلوم ناشرون)، مسرحها هذا المكان الهجين الذي يتقاطع فيه حاضر المدينة وماضيها ومستقبلها


هالة نهرا
كأنّ المقاهي تحثّ على القول والبوح. كأنها تحضّ على استنباط صورة بيروت غير المتحقّقة بالكامل. يحرّض المقهى على إتمامها بوصفه ملتقى ثقافيّاً وعصباً آخر للمدينة، أم أنّه انعكاسٌ لحال المدينة و«حاله من حالها»، كما يقول الشاعر زاهي وهبي في «قهوة سادة» (الدار العربية للعلوم ناشرون). يقارب وهبي المقهى من زاوية نقدية ـــــ تحليلية بمنأى عن التوجّه التوثيقي أو التأريخي ، وينطلق في قراءته من «معايشة يومية حثيثة لهذا المقهى على امتداد ربع قرن».
«ليس المقهى مجرّد مكان»، بحسب وهبي. ولا يقتصر مفهوم المقهى، على تلك المساحة من التعبير، بل يتعدّاها ليختلط فيه التاريخ والجغرافيا، فيتحوّل إلى مكانٍ وزمان في آن، وإلى «أجساد تستريح وأفكار تسرّح». حاول بعضهم أن يتناول تيمة المقهى في مقالات وتحقيقات صحافية متنوّعة، وسعى آخرون إلى الكتابة عن المقهى عل أنه رئة للمدينة، ومتنفس حضاري، وشرفة تطل على الآخر في بيروت. إلا أنّ كتاب وهبي قد تفرد بجمع تلك الرؤى والمفاهيم المتباينة.


عن المقهى بوصفه رئة بيروت، ومكاناً للدفء والحميميّة

ما فعله وهبي في «قهوة سادة»، هو ابتداع المسافة مع المكان في قلب المكان لاستنطاقه، وابتداع مسافة أخرى مع المعنى في قلب المعنى لإعفائه من ثقل الاجترار. بعيداً من الصدأ المُدُنيّ الذي يكيّف واقعنا البيروتي، مال المؤلف إلى الإضاءة على «لوثات» كثيرة قد تصيبك في المقهى، وأولها «لوثة» الشعر، كما تقول زوجته الإعلامية رابعة الزيّات في مقدّمة الكتاب. يقول صاحب «أضاهيكِ أنوثةً» إنّ الكتابة عن المقهى هي كتابةٌ عن الحياة، «فكيف إذا كنّا نكتب عن المقهى (...) بصيغته البيروتية».
يرجعنا الكاتب إلى نشوء المقهى في هذا الشرق (على أيدي السوريين حكم الحلبي وشمس الدمشقي) ليخلص إلى القول إنّ مقاهي بيروت مثّلت على الدوام نموذجاً حيّاً للدور المعارض، علماً بأنّ المعارضة هنا لا تقتصر على السلطة السياسية فحسب، بل تطال كلّ سلطة سائدة.
ويشير وهبي، في هذا السياق، إلى أنّ منطقة «رأس بيروت» التي يمثّل شارع الحمرا عمودها الفقري، تكاد تكون الوحيدة (بين مناطق بيروت) التي استطاعت الحفاظ على ذاك التنوّع الاجتماعي، والطبقي، والطائفي، والمذهبي. يلحظ نمطاً جديداً من المقاهي يتأرجح بين المقهى بمفهومه التقليدي نهاراً والحانة ليلاً، حيث يختلط الإنترنت بالشعر، والصالونات الأدبية بالأمسيات الموسيقية. أمّا ما يميّز مقاهي بيروت عن مقاهي مدن أخرى، «الكوسموبوليتية على وجه الخصوص»، فيكمن في الدفء والحميمية الجينيّة.
اللافت في مضمون الكتاب هو التحافه بمجازات الشعر والشعراء، وبنظرة المثقّفين، والفنّانين، والكتّاب، وحتّى الطلاّب إلى المقهى. يستشهد وهبي بكلام الشاعر شوقي أبي شقرا الذي رأى أنّ «المقاهي بدأت مع المثقّفين، وخرّبها المثقّفون»، ليستحضر جلساته مع أدونيس، ويوسف الخال، وليلى بعلبكي. أمّا بول شاوول فيرى المقهى «مصفاة تذوب عبرها اللكنات واللهجات وتمتزج الآراء والأفكار وتتلاقح المشاعر، ليمسي مختبراً ديموقراطيّاً حقيقيّاً». المقهى الذي يتردّد إليه عبّاس بيضون وشوقي بزيع، وعلوية صبح، وأمين الباشا وجميل ملاعب، وأحمد بيضون وعلي حرب، وعددٌ من المسرحيين، والصحافيين، والجامعيين، والعشّاق، والثرثارين، والعاطلين من العمل والحبّ... هو حركة الحرّية التي تجتذب شاعر المحكيّة عصام العبد الله كي يرتاده بصورةٍ منتظمة. والمقهى أقرب إلى الهجين الحائر في صيغته الراهنة بين مدينتَين، «مدينة الماضي، ومدينة المستقبل».
أوشك وهبي على القول إنّ المقهى يوازي أمكنةً مثل «مسرح المدينة»، و«مسرح بيروت»، وصالة «جانين ربيز». أي إنّه مكان ثقافي لا يكتفي بالشعر، والأدب، بل يمثّل المساحة المفتوحة على الشارع والرصيف، على الفقراء والغرباء والناس العاديين في حياتهم أو حيواتهم. كتابٌ يحدّثنا عن إقفال «الويمبي»، و«المودكا»، «وكافيه دو باري»، ويعيدنا إلى مناخات حقبةٍ سابقة بما تستبطن من ازدهارٍ ثقافي وفنّي. يتنقّل «قهوة سادة» بين مقهى «الروضة» البحريّ، و«جدل بيزنطي»، و«ة ـــــ مربوطة»، ليشير إلى التعثّر الذي أصاب وسط المدينة إثر اغتيال رفيق الحريري وما تلاه.


يوقّع وهبي كتابه عند السادسة من مساء اليوم في مقهى «سيتي كافيه» (كاراكاس/ بيروت). للاستعلام: 01/802286