حسين السكاف

«يجمع شعر جوزف حرب بين الجمالية السامية والجدية الهادفة. ومثل هذا النتاج يتهيّبه الدارسون لأنه يحتاج إلى مناهج نقدية مختلفة عما هو متداول في سوق النقد». بهذا الرأي، يفتتح الناقد السوري الراحل محيي الدين صبحي (1935 ـــــ 2003) كتابه «جوزف حرب وأمطار الوردة السوداء» الذي أعادته «دار الريس» أخيراً إلى النور. ورغم اعتراف صبحي بصعوبة الخوض في تجربة حرب الشعرية، إلا أنّه تناول هنا خمسة دواوين دفعةً واحدةً: «شجرة الأكاسيا» و«الخصر والمزمار» و«مقص الحبر» و«مملكة الخبز والورد» ثم ألحقها بفصل خاص بديوان «السيدة البيضاء في شهوتها الكحلية». ولم يكتفِ بهذا، بل أفصح لنا عن الأدوات التي استخدمها في تحليله للقصائد عبر تساؤل ممهِّد للفكرة: «هل الصورة في الشعر حُلم؟» فيجيب: «الصورة في الشعر حلم، وباعتبارها كذلك، فهي قابلة للتأويل والرجوع إلى اللاشعور الجمعي والنماذج البدئية التي تعمّره. وقد رجعت في هذا الصدد إلى موسوعة تفسير الأحلام والرموز الفنية (...) ولدهشتي تجلت للقصائد معانٍ جديدة (...) لا يمكن التوصل إليها عن طريق التحليل الأدبي وحده». عبر «شجرة الأكاسيا»، يرى صبحي أن حرب يؤمن بأن العصر الحديث لم يلتجئ إلى الأساطير القديمة، بل استخرج أساطيره، بينها أسطورة «شجرة الأكاسيا». لكن كيف وجد صبحي علامات الأسطورة في هذه القصيدة؟ «في «شجرة الأكاسيا»، أعماق الوادي هي الحياة. والسوق هي ساحة الصراع البشري. وشجرة الأكاسيا على حافة الوادي هي العدالة والحرية والسلام. (...) والحلم البشري هو الصعود من هذه السوق عبر الوادي إلى الحرية». هكذا رسم جوزف حرب أبعاد أسطورته الملحمية التي لم تقف عند «شجرة الأكاسيا» بل نجدها ممتدة إلى «مملكة الخبز والورد». هذا الديوان يعدّه صبحي تطبيقاً للمنهج الأسطوري وفق ما وضعه صاحب كتاب «المدونة الكبرى ـــــ الكتاب المقدس والأدب» الكندي


تحليل الشعر في ضوء الفن التشكيلي وتفسير الأحلام

نورثروب فراي. ومن هذا التطبيق، استخلص صبحي رؤيته من داخل النص، بشأن فلسفة الصراع والموت والانبعاث الأسطوري لإقامة المدينة الفاضلة. هو يرى أن «حرب نظّم ملحمة أعاد فيها كتابة تاريخ الإنسانية الجواني منذ الخليقة الأولى إلى طموحها الأخير والدائم في تحقيق جنة الله على الأرض». ومرة أخرى، يكشف صبحي، حين يروي قصة القصيدة، أنه اعتمد مبدأ التأويل وحلّ رموز القصيدة عبر تفسير الأحلام وفكّ رموز الفن التشكيلي ودلالات اللون الفلسفية.
أما ديوان «السيدة البيضاء في شهوتها الكحلية»، فهو في رأي المؤلف «ملحمة اجتماعية ذات غايات أخلاقية. فهي رحلة في مفهوم خلق الرجل والمرأة ورحلة في أعماقيهما، وتصوير للصراع الذي عاشه كلّ منهما مع نفسه ومع الآخر منذ بداية الخلق». ثم يلبّي المؤلف دعوة الشاعر ويرتحل في الأعماق ليجد أن هناك خطأً كونياً يتمثل في «استئثار الرجل بالتحكم في المجتمع تحكّماً مطلقاً يقوم على استبعاد المرأة واستعبادها»، ثم يوجه الشاعر دعوته، إلى تصحيح هذا الخطأ الكوني بـ«إتاحة الفرصة للمرأة كي تستعيد بياضها بعدما خنقتها حملقة الرجل وحضارة الرجال وقوانين الرجال، فاستحالت إلى اللون الكحلي: لون الغريق المخنوق». يدخل صبحي أيضاً عالم الطفولة، حين يرى في جوزف حرب «شاعر الطفولة بامتياز».