سوزان حفونة ويوسف نبيل ونبيل بطرس وصباح نعيم


حازم سليمان
لن تبدو القاهرة هنا كما نعرفها. ليست مدينة الزحام والفوضى والعشوائيات، ولا مدينة التاريخ. الصورة هنا خلاصة ذكيّة من كل ذلك. تتأمل في ظاهرة بشرية موحية وعصيّة على الفهم اسمها القاهرة، تترك خلف ظهرها سذاجات كثيرة عُلِّقت فيها عشرات التجارب الفوتوغرافية. أربعة فنانين هم سوزان حفونة، ويوسف نبيل، ونبيل بطرس، وصباح نعيم، تستضيفهم حالياً «صالة روز عيسى» في لندن ضمن معرض «صور القاهرة». باتت تجارب هؤلاء الفنانين الشغوفين بالحالة المصرية، معروفةً، باعتبارها جزءاً أصيلاً من مختبر بصري حديث. فيه تنتج صياغات أخرى لفن منغمس في التفاصيل التي تشكّل جوهر المشهد العام، ومكمن دهشته. اجتماع هذه الرؤى تحت سقف واحد يمثِّل تجربة مغرية، خصوصاً مع اختلاف أساليب التعبير والمعالجات لموضوع مشترك هو مصرالقاهرة لسوزان حفونة (1962) التي تقيم في ألمانيا، هي مدينة مواربة تخفي أكثر مما تُظهر. جوهرها محجوب خلف غلالات عدة. لذا تقدّم في أعمالها جملةً إشارات وإيحاءات حول المنظور والخفي، العلاقة بين الداخل والخارج، من موقف بصري يستفيد من فكرة المشربية في العمارة الإسلامية. المشربية التي تشتغل عليها حفونة في سياق مشروع بصري عمره 16 عاماً، تتيح لمن هم في الداخل رؤية واضحة، وتحجب الداخل عن عيون الغرباء. وقد وصلت إلى مراحل متقدمة من نفي الموضوع، لمصلحة تجريديات تختلط فيها الصورة الفوتوغرافية بالرسم والتركيب، إضافة إلى التنويع في خاماتها لتمزج الأحبار والخشب بالمعدن.
في هذا المعرض، تحضر ملامح من تجاربها المتنوّعة مثل سلسلة «نساء خلف النافذة». هذه المجموعة الفوتوغرافية تتمحور حول فكرة الحجب والتشويش البصري، فضلاً عن تجارب تركيبية أخرى يختلط فيها النحت مثل «الصبر جميل».
التحولات الثقافية والاجتماعية التي عصفت بالقاهرة، تنهض عبر الـ«بوب آرت» والبورتريه اللذين يسمان أعمال يوسف نبيل (1972). المصوّر المقيم في نيويورك، يستفيد من خبرة اكتسبها كمساعد لمصور النجوم الشهير ماريو تيستينو، فيعتمد على التلوين اليدوي لثماني صور شخصية بالأبيض والأسود. من خلال تقنية قديمة، يبرز نبيل ـ بتعبيرية وبساطة مفرطة معاً ــ الفردية التي يراهن عليها. يقرِّب الوجه حيناً، وينفيه حيناً آخر لمصلحة تفاصيل أخرى موحية من الجسد.
ورغم شهرة هذا الفنان في إنجاز مشهديات ساحرة لا تخلو من حسّ سينمائي، يميل هنا إلى التقشّف في الحركة واللون، لتظهر القيم المرتبطة بالملمح الخاص، كأنّه ينطلق من ولاء عفوي واضح لشخصيات معروفة لها وقعها الخاص على المستوى الشخصي للفنان، أو شكلت طفرة ما في وعي شريحة واسعة من المجتمع المصري، مثل منى حاطوم ولارا بلدي في الفنون المعاصرة، والمغنية ناتاشا أطلس، وعمر الشريف الذي لا تخلو صورته من إعلاء لجماليات قاسية ووحشية. ثمة


تجريد المشربية، ورصد الأقباط، ورهان الفرديّة، وتحدّي اللحظة باللون

صورة بلا رأس لشعبان عبد الرحيم، يركّز على خصوصية ملابسه وأكسسواراته الذهبية. أمّا الفوتوغرافي نبيل بطرس (1954)، فتحمل أعماله نزوعاً توثيقياً لما هو مهدد بالضياع من أساليب حياة وعادات وتفاصيل يومية صغيرة. أنجز بطرس المقيم في باريس مجموعات فوتوغرافية، قدّم فيها قراءات بصرية معمّقة لمظاهر من الحياة المصرية. وإذا استعدنا ما قدمه في كتابه المصوّر «مصر»، ثم في «أقباط النيل ـ بين الفراعنة والإسلام» (2007)، نلمس نبرة الدفاع ـ فوتوغرافياً ـ عن قيم التعددية في النسيج المصري. ونلحظ ذلك في اهتمام صورته برصد المظاهر الدينية في المجتمعات الحديثة، ولا سيما المجتمع القبطي في مصر، باعتباره من أقدم المجتمعات المسيحية في العالم.
في هذا المعرض، يقدّم بطرس ثلاثة أعمال مركبة هي «الجمعة العظيمة»، و«صلاة»، و«سلام» يجمع فيها الطقس الديني والملمح الاجتماعي. تنقسم الصورة لديه إلى أجزاء وتفاصيل تفضح المفارقات حيناً، أو تقوّيها أو تسخر منها أحياناً. كذلك، تصطبغ أعمال بطرس بطابع حكائي متسلسل حقيقي وفيه وجهة نظر واضحة وحميمة، تزيد من ثقل الموضوع وطاقته التعبيرية.
أما صباح نعيم (1967)، فتتخذ من شوارع القاهرة مكاناً مثالياً لاقتناص مواضيعها. اللقطات منتشلة من هنا حيث عفوية البشر، وهم يتحركون في حياتهم اليومية. وعبر تحريف اللقطات وتشويهها باللون، تعلن الفنانة موقفاً واضحاً من جماليات الصورة بمعناها التقليدي. تزعزع هذه الواقعية بألوان وخربشات، وتعزل أبطال صورها عن واقعهم، وتدفع بالعمل إلى مناخ بصري مشحون بالتوتر والفوضى. ثمة انقلاب على الحرفة والخبرة، وتعزيز للصورة بإحساس يدويّ مباشر، يمنح أناسها هالات قدسية/ دنيوية، أو يضيّق عليهم مساحة الحركة.
أعمالها في هذا المعرض كناية عن سلسلة صور بعنوان «أناس في الشارع»... تخرج نعيم وتعود محمّلةً بصيد ثمين لعلاقات ولحظات عفوية نادرة، تقرأ من خلالها يوميات الغرباء والعابرين، وتتحدّى باللون رمادية اللحظة الراهنة.


حتى 22 أيار/ مايو الجاري ــــ «صالة روز عيسى» (لندن) ــــ www.roseissa.com