خليل صويلح

يلجأ أبلوا إلى الهندسة الصارمة في تشكيل ملصقاته، تبعاً لما يتيحه الحرف اللاتيني من أشكال تجريدية، معتمداً ألواناً صاخبة، وتقنيات مبتكرة، في خلق العلاقة بين الكتلة والفراغ. كل ذلك بهدف إحداث صدمة بصرية، لا شك في أنها تترك أثراً بالغاً لدى المتلقّي. هذا ما نجده واضحاً في ملصقاته المستوحاة من ذكرى غياب مصمّم الأزياء الفرنسي إيف سان لوران، أو من صورة الروائي الأفريقي وول سونيكا في ملصق عن الأدب الأفريقي، وآخر عن الأدب الياباني. تنطوي أعمال أبلوا على بعد توليدي للحرف، ليس بوصفه علامة مجردة، إنما كحامل دلالي للمعاني والصور. وهو بذلك يجد أن كل ما يصادفه في حياته اليومية هو مصدر إلهام.

متاهات صارمة في تجريديتها ومنمنمات تنضح انسيابية وليونة
أما أعمال رضا عابديني (راجع «الأخبار»، ٢٩/ 10/ ٢٠٠٩)، فتعكس مهارة خاصة في استثمار قدرة الحرف الفارسي على الإيحاء، عن طريق الخط والنقطة والدائرة. هذا المصمّم يسعى إلى المزاوجة بين الصورة الشخصية والنصوص، لتكريس الحياة الداخلية للشخص وأفكاره. هكذا ينثر الأحرف، بليونة وانسيابية، في محيط الجسم، مستفيداً من المخزون التراثي للزخرفة الإسلامية، وخصوصاً المنمنمات ورسوم المخطوطات القديمة بدلالاتها الجمالية المؤثّرة. توقيعات بصرية تتجاوز القيم البلاغية للحرف، لتمتص إمكانات الفنون الشعبية، كما نجدها في المنسوجات اليدوية، ورسوم العملات، والأختام، والخط.
يُنشئ عابديني ملصقاته الطباعية على محورين، الأول فوتوغرافي، وهو صورة لشخص غالباً، والثاني حروفي، مستهدفاً منطقتي الرأس والصدر، على نحوٍ خاص، في مزاوجة محتملة بين العقل والقلب. هنا لا مكان للبعد الترويجي السهل، فنحن أمام عمل تشكيلي ونقدي في علاقته بمراجعه وأدواته وموضوعاته. هذا المصمّم المحترف يضع في اعتباره أبعاداً جمالية لأعماله المشغولة بتقنيات حديثة، من دون أن تدير ظهرها للمخزون البصري الشرقي: حرف «الواو» بانسيابيته يمثّل نقطة جذب في أعمال عابديني. حتى إنه يخصّص له عملاً مستقلاً، كما ينثر الأحرف على كتف امرأة في ملصق سينمائي. وإذا بها تتحوّل إلى بالإشارات والرموز.
بين متاهات فيليب أبلوا الصارمة في تجريديّتها، ورحابة الفضاء الشرقي في أعمال رضا عابديني، تتمازج ثقافتان، متنافرتان ظاهراً، على سطحٍ واحد.