منذ فترة، ألغت القناة الفرنسية ـــ الألمانية عرض La Cité du mâle الذي يتناول العنف ضدّ النساء في إحدى الضواحي الباريسية. بعد مدّ وجزر، تراجعت المحطة عن قرارها وستبث الليلة الشريط الوثائقي الذي وصف بـ«المزعج والمتطرّف»


صباح أيوب
قبل سنوات قليلة، بدأت ضواحي باريس تشغل الإعلام الفرنسي. بعد أحداث دموية وعنفية مفاجئة، التفت الصحافيون الفرنسيون إلى الضواحي فاكتشفوا «خزّاناً» من الأخبار والروايات عن مجموعات بشرية نشأت وكبرت على غفلة منهم، حتى باتت واقعاً حافلاً بالأحداث. بعض تلك التجارب الإعلامية وقع في فخ الكليشيهات ورسم الصور الكاريكاتورية عن قاطني تلك المناطق، ما ولّد أزمة بين سكان الضواحي والصحافيين. تحقيقا «تي إف 1» و «إم 6» الأخيران مثلاً، عن تجارة المخدرات في منطقتين من ضواحي باريس، أثارا غضب السكان واستياء عمدة المنطقة.
قناة arte الفرنسية ــــ الألمانية دخلت بدورها دوّامة الضواحي فكانت لها المشاكل بالمرصاد. في 31 آب (أغسطس) الماضي، كانت سهرة arte مخصصة لموضوع العنف ضد النساء في الضواحي. وكان مقرراً عرض ثلاثة أفلام وثائقية حول الموضوع بعنوان عريض هو: «لمَ كل هذا الكره تجاه النساء؟». لكن، قبل ساعة واحدة من البث، تراجعت المحطة عن عرض أحد الأفلام الثلاثة وعدّلت برمجتها تعديلاً طارئاً. شريط La Cité du mâle أو «مدينة الذَكَر» (إخراج كاتي سانشيز) هو الذي سبب المشكلة وفق ما أعلنت المحطة. وقد عزت arte السبب إلى «ضغوط جدّية يتعرّض لها أحد الأشخاص الذين عملوا في تنفيذ الفيلم». أما خلفية إلغاء بثّه فقد تعددت الروايات حولها، لكن المؤكد (حتى كتابة هذه السطور) أن القناة ستعرضه مع الشريطين الآخرين الليلة في السياق نفسه الذي كان مبرمجاً قبل تأجيله.
لماذا إذاً أثار الشريط الوثائقي كل هذا الضجيج؟ «مدينة الذَكَر» دخل إلى إحدى الضواحي الجنوبية لمدينة باريس في منطقة تدعى فيتري، حيث سُجّلت عام 2002 حادثة عنيفة جداً ظلّت عالقة في ذهن مخرجة الشريط: قبل ثماني سنوات، في أحد أحياء تلك المنطقة، أُحرقت فتاة اسمها سوهان (17 سنة) حيّة في أحد مكبّات النفايات. المخرجة كاتي سانشيز عادت إلى فيتري ومكثت هناك بهدف معرفة أسباب نشوء ظاهرة العنف ضد النساء ومدى تطورها.
هكذا قابلت مجموعة من الساكنين في المنطقة، مثلاً أوكيتو (18 سنة) من زائير، وهو إحدى الشخصيات التي تظهر في الشريط، يقول إنه «ضرب شقيقته بعنف لأنها لم تبت ليلة في المنزل» وأضاف أنه «سيغيّر معالم وجهها إذا كتشف أنّها فقدت عذريتها قبل الزواج»!


يتناول الشريط قصة سوهان التي أحرقت حيّة في أحد مكبّات النفايات
بعض الانتقادات المباشرة وُجّهت إلى مضمون الشريط، ومصدر الاحتجاج جاء أولاً من إحدى المساعدات التي شاركت في الإعداد للفيلم. وذكرت arte وشركة الإنتاج «دوك آن ستوك» أن نبيلة لعيب هي الشخص الذي «تعرّض لضغوط جدية تهدد حياتها وحياة أولادها» عشية عرض الفيلم. نبيلة، هي التي أمّنت الاتصال بين المخرجة وسكان الحي وأقنعتهم بالتحدث أمام الكاميرا. لكن لعيب، احتجت لاحقاً على «تغيير حدث في نص الوثائقي» ونفت لصحيفة «لو فيغارو» تعرّضها لأية ضغوطات عشية البث، مؤكدة أنها عبّرت فقط للقناة عن استيائها مما جاء في الشريط من تحريف واختزال و«قلّة أخلاق مهنية». لعيب شرحت أن مخرجة الشريط أرادت أجوبة قوية وصادمة، لذا عمدت إلى استفزاز الشباب وجرّهم إلى التعبير عن آراء متطرفة، كما أنها اختارت خمسة نماذج فقط من بين 50 شاباً وشابة قابلتهم! من جهتها، نفت سانشيز ما جاء على لسان لعيب وقررت رفع دعوى قضائية ضدها.
مجلة «لو نوفيل أوبسيرفاتور» نقلت عن سكان فيتري الذين شاهدوا الفيلم قبل بثه، إجماعهم على وصف العمل بـ«المقرف». أما مدير البرامج في arte إيمانويل سويار فرأى أن الشريط «متطرف ومزعج... لكن من المهم أن نظهر أن لا شيء تغيّر في الشوارع منذ مقتل سوهان»!


الليلة 22:35 بتوقيت بيروت على arte