على رغم إعلان الرئيس علي عبد الله صالح «فتح صفحة جديدة مع الصحافيين»، ها هي السلطات تعود إلى عاداتها وتواصل مسلسل ترهيب الإعلاميين وخطفهم وإخفائهم. الوضع مرشّح للتفاقم ومنظمات حقوقية تدقّ ناقوس الخطر


صنعاء ـــ جمال جبران
لم تستمر الهدنة بين السلطات والصحافيين اليمنيين طويلاً، إذ يبدو أنّ السلطة لا تستطيع التخلص من عاداتها بسهولة. وها هي تعود إلى خطف الصحافيين مجدداً. فكلما أخفقت في تطويق أزماتها المتفاقمة في الشمال والجنوب، تستعرض قوتها على الطرف الأضعف: الصحافيين. في 22 أيار (مايو) الماضي الذي صادف عيد الوحدة اليمنية، أعلن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح «فتح صفحة جديدة مع الصحافيين» و«أمر» بالإفراج عن جميع المسجونين على ذمة قضايا نشر، وإغلاق القضايا الأخرى المرفوعة ضد بعضهم أمام القضاء، مختتماً بذلك أسوأ فترة مرت بها الصحافة اليمنية في تاريخها. مرحلة شهدت إغلاق صحف ومحاكمة صحافيين بسبب كتاباتهم. ويبدو أنّ هذا لم يكن كافياً لوقف أصحاب السلطة الرابعة عن تخطي الخطوط الحمراء، فلجأت السلطات إلى خطف الإعلاميين وإخفائهم قسراً. وبرزت حالة الصحافي المعارض محمد المقالح، رئيس تحرير موقع «الاشتراكي نت» كمثال على توجّه السلطة إلى تجريب خطوات جديدة لتخويف الصحافيين. هكذا، اختُطف المقالح الذي أقدم على تغطية مستمرة لـ«حرب صعدة السادسة» بصور أظهرت تجاوزات رسمية وانتهاكات جسيمة في ما يخص حقوق المدنيين من مواطني صعدة. وقد أقدم ملثّمون على اختطاف المقالح عام 2009 في وسط شارع عام وأخفوه في جهة مجهولة لسبعة أشهر قبل أن تعلن السلطات أنه محتجز لديها وسيحال إلى القضاء بتهم عديدة أقلها «الإضرار بمصالح الوطن العليا عن طريق نشر أخبار كاذبة». وبعد جلسات عقدتها المحكمة الجزائية المتخصصة (محكمة أمن الدولة)، أُقفل الملف نهائياً عبر عفو رئاسي جديد. لكن يبدو أن هذا العفو جاء متأخراً بالنسبة إلى الرئيس صالح نفسه. إذ كانت منظمة «مراسلون بلا حدود» قد أعلنت وضعه على القائمة السوداء وتصنيفه في خانة «صيّاد حرية الصحافة». وأشارت المنظمة إلى أنه «منذ أيار (مايو) 2009، تعرّض صحافيون ومحررون إلكترونيون عديدون للاختطاف قبل محاكمتهم وإدانتهم بعقوبة بالسجن، وترافق ذلك مع حظرهم عن الكتابة مدى الحياة».
بعد خروجه من السجن، سرد محمد المقالح أنه تعرّض لأشكال عديدة من التعذيب البدني والنفسي عبر وضعه في غرفة انفرادية، وتعريضه مرتين لواقعة إعدام وهمية طُلب منه فيها قول أمنيته الأخيرة.
ومنذ شهر تقريباً، وتحديداً في 16 آب (أغسطس) الماضي، أقدم أفراد مسلّحون، يرتدون بزات مدنية وعسكرية ينتمون إلى جهة مجهولة، (أُعلن لاحقاً أنهم من جهاز الأمن القومي المُستحدث في خارطة الأمن اليمني)، على اختطاف الصحافي عبد الإله حيدر شائع المتخصص في قضايا الإرهاب والجماعات الإسلامية في اليمن. وقد اختُطف من منزله الذي فتّشوه وأخذوا وثائقه الشخصية، إضافة إلى حاسوبه المحمول. وفي اليوم التالي لهذه العملية، أقدم مسلحون بالطريقة نفسها على اعتقال رسام الكاريكاتور كمال شرف الذي يُعتقد أن اعتقاله يرتبط بما جرى لشائع نظراً إلى الصداقة


اختطاف رسام الكاريكاتور كمال شرف والصحافي عبد الإله حيدر شائع المتخصص في قضايا الإرهاب


القوية التي تجمعهما، إضافة إلى نشاطه البارز على «فايسبوك». إذ ينشر فيه بانتظام أعمالاً ناقدة تتسم بالحدة على النظام الحاكم والفساد المسيطر على أجهزته المختلفة. وبعد الكشف عن مكان اعتقالهما أخيراً، بدأت النيابة المتخصصة (نيابة أمن الدولة) أول من أمس بالتحقيق مع عبد الإله حيدر شائع وكمال شرف. ووجهت إلى شائع تهماً بالتخطيط لـ«أعمال تخريبية وإجرامية تمس أمن البلاد وسلامتها وتوفير الدعم الإعلامي لقيادة تنظيم «القاعدة»».
من جهتها، أعلنت منظمة «مراسلون بلا حدود» مجدداً أنّه «لا يمكن القبول بصمت السلطات إزاء مصير الصحافي عبد الإله حيدر شائع والرسام كمال شرف». وحثت المنظمة في بيان لها الرئيس علي عبد الله صالح على الإفراج عنهما، مؤكدة أنه ينطبق توصيف «الاختفاء القسري» على عمليتي اعتقالهما وفقاً للقانون الدولي.
وكان شائع قد تعرض في تموز (يوليو) الفائت لعملية اختطاف أثناء سيره في أحد شوارع صنعاء واقتيد إلى منزل قريب من مبنى جهاز الأمن السياسي. وهناك تناوب رجال أمن على التحقيق معه عن جدوى تصريحاته للقنوات الفضائية بشأن تنظيم «القاعدة» وما يقوم به من عمليات في اليمن. ثم أُفرج عنه في اليوم التالي. يومها، أعلن شائع أن التحقيق معه «لم يخلُ من درس في الوطنية والوطن وأنها أهم من حفنة الدولارات التي أتقاضاها من تصريحاتي». وأشار إلى أن هذه العملية هي رسالة تهديد أولية وقال» لكن هذا لن يوقفني عن عملي. وعلى الصحافيين أن يدركوا أن حامي القانون هو أول من ينتهكه، وأننا في دولة بوليسية وليست دولة نظام. لذا علينا أن نستعد للدفاع عن أنفسنا».


... ونقابة الصحافيين تكرّم الرئيس

في الوقت الذي حصل فيه الصحافيون اليمنيون على تعاطف واسع من المنظمات الدولية المعنية بالشأن الصحافي، أقدمت «نقابة الصحافيين اليمنيين» المناط بها الدفاع عنهم، على سابقة غريبة تمثلت في تكريم الرئيس علي عبد الله صالح (الصورة) بمنحه درع الصحافة، وهو درع لا وجود حقيقياً له في لوائح النقابة. وجاء في بيان التكريم أنه يأتي «تقديراً لدوره في دعم ورعاية الصحافة والصحافيين». من جهته، قال نايف حسان، ناشر جريدة «الشارع» الأسبوعية المستقلة وأحد الصحافيين الشباب الذين فتحوا ملف التوريث الرئاسي في اليمن، إنّ التكريم سيضرب حتماً مصداقية النقابة.