ألبوم جماعي وكليبات وفيلم وثائقي شامل


هالة نهرا
بعد «لقاءات إيقاع» التي أُقيمت تحت عنوان «الموسيقى البديلة في العالم العربي»، العام الماضي، أطلقت مؤسّسة «إيقاع» شريطاً توثيقيّاً يلخّص التجربة. لعلّ اصطلاح «الموسيقى العربية المعاصرة» أو «الموسيقى الشبابية»، يناسب طبيعة هذه الورشة أكثر، إذ إنّ «عبارة «الموسيقى البديلة» تحمل إسقاطات غير واقعيّة على راهن الموسيقى العربية، وهي مترجمة حرفيّاً عن الإنكليزية»، كما تقول الفنّانة والمنتجة اللبنانية كنده حسن. «الموسيقى البديلة هي تلك التي لا يمكن تصنيفها»، لذلك فإنّ «الحديث عن الموسيقى البديلة العربيّة كلما كانت هناك تجربة مغايرة، يصبح أحياناً مستهلكاً وبلا معنى»، على حدّ تعبيرهامنذ تأسيسها (في عمّان) عام 2007، تحاول مؤسّسة «إيقاع» إيجاد بديل للبوب العربي النمطيّ «الذي لا يمتّ بصلة إلى ثقافتنا العربية». أسئلةٌ كثيرة كانت تشغل الفريق قبل انطلاق ورشة «لقاءات إيقاع الأولى»، وأوّلها «أين نحن من الثقافة الموسيقية العربية والعالمية؟». هكذا مثّلت الورشة محترفاً للإجابة عن هذا الهاجس عبر صهر تجارب مختلفة «في فضاء عملي وتفاعليّ بعيداً عن التنظير»، تخبرنا حسن.
إلى جانب الفيلم القصير، خرجت الورشة بألبوم يضمّ تجارب الفنّانين المشاركين، وهم عزيز مرقة وفرقة «الراز» من الأردن، وفرقة «مشروع ليلى» من لبنان، وفرقة «رسالة» من مصر، وفرقة I-Voice (صوت لا يُقهر) من فلسطين.
ألبوم «لقاءات إيقاع» الذي أشرفت على تنفيذه عازفة البيانو والمؤلّفة الموسيقية اللبنانية جويل خوري، يحاول السير على خطى تشكيل هوية جديدة للموسيقى العربية «تجمع بين أنماط وأساليب هذه الفرَق المختلفة»، كما جاء على غلاف الأسطوانة. لكنّ الادّعاء أنّ الألبوم يمثّل مشروعاً بديلاً من الموسيقى العربية السائدة، يُحَمِّل مسؤولية كبيرة للفرَق المذكورة وللجهة المنتجة. وحده الوقت سيحسم ما إذا كانت «إيقاع» جادّة في السعي إلى التأثير في وعي المستمع العربي، وذائقته الفنّية.
غياب التمويل ليس المشكلة الوحيدة التي تعاني منها «إيقاع». فـ«لا أحد يدعمنا بوصفنا قيّمين على مؤسّسة تجارية قادرة على ابتداع جديد فنّي نوعيّ»، تقول كنده حسن. «تزامناً مع إطلاق الألبوم، أنجزنا أربع أغنيات مصوّرة. لكنّ الإذاعات والفضائيّات امتنعت عن بثّها وعرضها، لأسباب مجهولة رغم الوعود المتكرّرة».
لا تتشابه أنماط الفرَق المشاركة في مشروع «إيقاع»، رغم التقائها عند قواسم مشتركة. فرقة I-Voice (تأسّست عام 2004 في مخيّم برج البراجنة)، تحاكي الهيب هوب والراب الغربيين، مع حفاظها على خصوصية النصوص العربية. أغنيتها الأخيرة «عم بدافع» (من إخراج كنده حسن، وأماندا لاندكويست)، تتمحور حول موضوع الفساد، وهي بمثابة صرخة أطلقها «مراهق مرهق» مسكون بهاجس الحرّية. حاز العمل (من بين أربعين أغنية مصوّرة) جائزة في مسابقة «فير بلاي ضدّ الفساد» في بروكسل. وقد زوّدتها كنده حسن بلغة بصرية واقعية وآسرة، واستقت مادّتها من جمالية تفاصيل المخيّم، ما أمدّ الفيديو كليب بزخم المكان المكتظّ بالأحلام والألم.
أمّا أغنية «تخبُّط» للفنّان الفلسطيني تامر أبو غزالة (من إخراج الفنان غسّان حلواني، وعرضت أخيراً في «مهرجان الفيلم


أبواب الإذاعات والفضائيّات العربية بقيت موصدة في وجه هذا الإنتاج الشبابي الجديد
اللبناني»)، فـ«تعكس حالة هستيرية. هذا ما اعتراني بعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2002»، يقول تامر أبو غزالة. ولعلّ التخبّط في رمزيّته وأبعاده المختلفة، لا يقتصر على حالة فردية عابرة، بل يشمل حالات الانكسار والدفاع والنزاع الداخلي، في ظلّ الصراع العربي الإسرائيلي، والخلاف الفلسطيني الفلسطيني، والانقسام اللبناني اللبناني، والتكاذب الوطني والعربي المفتوح... في أغنية «تخبّط»، يلجأ أبو غزالة إلى أسلوب تهكّمي أقرب إلى السخرية السوداء، ويعالج مواضيع بالغة التعقيد (الحرّية مثلاً) بشيء من الخفّة. «أحاول أن أكتب أغنية بمفردات جديدة، وموسيقى مغايرة»، يقول تامر أبو غزالة. إضافةً إلى الغناء والعزف على العود والبزق، يشغل أبو غزالة منصباً إداريّاً في «إيقاع»، ويلحّن أغنيات لفنّانين آخرين (دنيا مسعود).
أغنية «سلمى» لفرقة «جدل» (من إخراج معتزّ مطر)، تنتمي إلى الروك العربي، وتظهر تطوّر الفرقة مقارنةً بأغنياتها الأولى، علماً بأنّها من أولى فرَق الروك العربي، وتضمّ محمود ردايدة، ورامي دلشاد، وليث نمري. أمّا «آه يا حلوة» (من إخراج سلام يسري)، فتعتمد على التطعيم بالدرجة الأولى، والمزج بين ألوان الروك المختلفة. كذلك فإنّها تبيّن إمكانيّات الملحّن الأردني الشاب عزيز مرقة الذي ابتدع مصطلح «راز» (خليط بين الروك والعربي والجاز).
بمعزل عن بعض الثغَر ولُبس المصطلحات الفنّية المتداولة، فإنّ ما أنجزته «إيقاع» خطوة مهمّة على أكثر من صعيد، إذ منح المشروع منبراً لفنانين واعدين في لبنان ومصر والأردن. «الأنشطة الموسيقية في لبنان مثلاً، لا تتغيّر. الوجوه هي ذاتها تقريباً، وأماكن العرض محدودة»، تلفت كنده حسن. لذلك تسعى «إيقاع» إلى خلق فسحة صغيرة «للمواهب المهمّشة، وخصوصاً أن ثمّة أرضيّة عميقة تجمعها». اللغة مشتركة رغم اختلاف الأدوات، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الهموم والتطلّعات.