عثمان تزغارت

حين يعيد المرء مشاهدة «نهلة» (1979)، رائعة المخرج الجزائري فاروق بلوفة وأول فيلم عربي تناول الحرب الأهلية اللبنانية، يصعب أن يصدق أن ثلاثة عقود مرّت على إنجازه. الشريط الذي استعادته مساء أمس «أيام بيروت السينمائية»، يتخذ من اختناق صوت الحرية بأدخنة الاقتتال الأهلي تيمة رمزيّة. وهي تيمة ما زالت راهنة.، لكن لم يعد لبنان وحده معنياً بها، بل أصبح التصادم الطائفي والمذهبي يتهدد أكثر من بلد عربي. كان بلوفة يردّد، منذ مطلع الثمانينيات، أنه أنجز هذا الفيلم عن لبنان، من دون أن يفارق ذهنه الواقع الجزائري. لكن لم يكن أحد يتصوّر أن النبوءة ستتحقق، وأن بلد المليون شهيد سيواجه عقداً من الاقتتال الأهلي. استشرف بلوفة المخاطر التي تتهدد بلاده، في ظل رؤى أحادية طغت عليها منذ سنوات الاستقلال الأولى. لكنه اختار أن يصوّر عمله في بيروت، بغية الإفلات من الرقابة الجزائرية التي أحرقت فيلمه التوثيقي الأول «حركة تحرير» (1973). بطله العربي مصوّر صحافي جزائري يسافر إلى بيروت لتغطية الحرب. يقع في غرام مطربة ذات صوت آسر اسمها نهلة، تفقد صوتها فجأة. لم يكتف بلوفة برمزية احتباس صوت نهلة، بل رصد بعدسة بطله العربي كيف غرقت بيروت تدريجاً في أتون الاقتتال الأهلي، ليختنق فيها صوت الحرية. كان فاروق قد تخرج من المعهد التطبيقي للدراسات العليا في باريس بأطروحة عن «نظرية السينما»، تحت إشراف رولان بارت (1970)، وخاض أولى تجاربه في مجال السينما الروائية كمساعد ليوسف شاهين في «عودة الابن


قبل 30 سنة خاض السينمائي الجزائري في دوّامة الحرب اللبنانيّة
الضال» (1976). لكنّه، في عمله الروائي الأول «نهلة»، اختار قطيعة جذرية مع الأشكال السردية السائدة في السينما العربية. واستعار من «الموجة الجديدة» الفرنسية روحها المتمردة التي أسقطت السيناريو المكتوب لحساب أسلوب بصري مبتكر يسعى إلى الإمساك باللحظة الراهنة. كذلك استخدم عدسة بطله العربي وسيلةً لرصد بيروت وهي تغرق تدريجاً في مستنقع الحرب، منجزاً نوعاً من «الفيلم داخل الفيلم». بعد مرور ثلاثين سنة، يبدو شريط «نهلة» من كلاسيكيات السينما العربيّة، ومرجعاً يحتذى بنضجه وعصريّته... لكن المفارقة أن تجربة بلوفة وُئدت في المهد بسبب الرقابة الجزائريّة، فيما بات معظم من شارك في «نهلة» قامات بارزة في الثقافة العربية: من رشيد بوجدرة كاتب السيناريو (بالاشتراك مع المخرج ورفيقة دربه الراحلة الناقدة موني براح)، إلى زياد الرحباني الذي وضع موسيقى الفيلم، وروجيه عساف الذي شارك في التمثيل، من دون أن ننسى بالطبع بطلي الفيلم الأساسيين ياسمين خلاط التي أدت دور نهلة، وهي اليوم ممثلة ومخرجة وكاتبة مرموقة، ويوسف سايح الذي جسّد دور العربي، وأصبح صحافياً إذاعياً كبيراً في الجزائر.