رغم الحصار الذي فرضته الفضائيات العربية على «أنا القدس»، يبدو المخرج الفلسطيني مصرّاً على تحدّي «الحكومات العربية المتخاذلة». وها هو يواصل مسلسله الجديد الذي يرصد تشكّل «حزب الله» في الجنوب اللبناني


وسام كنعان
لم يعد تجاهل المحطات العربية للقضية الفلسطينية سراً. وهو ما ينعكس على الأعمال الدرامية والفنية التي تتناول هذا الموضوع. ولعلّ تجاهل الفضائيات الخليجية والمصرية لمسلسل باسل الخطيب «أنا القدس» يأتي في هذا الإطار. «موقف هذه المحطات ما هو إلا انعكاس لموقف الحكومات العربية المتخاذلة» يقول الخطيب في حديث إلى «الأخبار». ويضيف: «إذا تهاوى المسجد الأقصى على أيدي الصهاينة، فلن تقوم قائمة للعرب، وأنا مسؤول عن هذا الكلام»، مذكّراً بتجاهل معظم القنوات العربية لخبر إحراق أحد المساجد الفلسطينية قبل فترة. رغم كل ما سبق، لا بدّ من الإشارة إلى الانتقادات الكثيرة التي لقيها مسلسل «أنا القدس» بعد عرضه في رمضان الماضي. إذ أُخذ عليه المبالغة في الضغط على الجرح وإظهار الألم بطريقة منفِّرة للجمهور. «المسلسل كان يحتاج إلى الدعاية الوافية» يعلن الخطيب. ويؤكد أنّه كان ضدّ عرض العمل في شهر رمضان «لأنه لا يتقاطع مع طقوس الدراما الرمضانية. ومع ذلك، عوّلنا على مشاهِِد مهتمّ بالقدس، جوهر الحدث العربي وجوهر الصراع مع إسرائيل». على الضفة المقابلة، كان المنتج محمد فوزي قد أسهم في إنجاز هذا العمل الدرامي، إضافة إلى مجموعة من المسلسلات المصرية. ورفض بيع أي منها للمحطات إلا دفعة واحدة، على أن يكون «أنا القدس» أولها. لكن المحطات المصرية خذلت فوزي، وتراجعت عن عرض مسلسل باسل الخطيب، فسحب المنتج المصري كل أعماله من تلك المحطات، وتكبد خسائر فادحة.
مع ذلك، يبدو الخطيب مشغولاً اليوم بعمل آخر هو «الغالبون» الذي كتب نصه السوري فتح الله عمر. وكان هذا الأخير قد صرّح لـ«الأخبار» بأنه كتب الحلقة 27، لتمتد أحداث المسلسل من عام 1982 (الاجتياح الإسرائيلي لبيروت) حتى 1985. هكذا اختار الكاتب السوري أن ينسج حكاية المقاومة اللبنانية على ثلاثة أجزاء تمتد حتى نصر 2006.
يقول الخطيب إنه كان شريكاً أساسياً في هذا العمل منذ انطلاق التفكير بإنجاز السيناريو، قبل ثلاث سنوات. ومنذ تلك الفترة، دخلت تعديلات كثيرة على النص، قبل مشاركة الكاتب محمد النابلسي في صياغة الأحداث.

هل تُدخل «المنار» شروطها الرقابيّة على العمل كما حصل مع «أنا القدس»؟
وكان الخطيب قد دخل في حوارات طويلة مع الجهتين المنتجتين («مركز بيروت للإنتاج الفني» وقناة «المنار»)، لرغبته في الذهاب إلى لبنان كي ينجز عملاً يلامس أكثر من قضية، ويحمل بعداً إنسانياً عاماً، من خلال تفاصيل القصص التي عاشتها أسر الجنوب اللبناني، وبداية تشكّل المقاومة الإسلامية و«حزب الله». كذلك، أراد ألا تكون صبغة العمل دينية خالصة كي ينال عمله اهتمام أكبر شريحة ممكنة من الجمهور، ويخرج من دائرة المحلية اللبنانية إلى العربية. «توصّلنا إلى صيغة مناسبة، وسيعرض العمل قبل رمضان على «المنار» ومحطات عربية عدّة» يقول الخطيب. ويكشف عن أبطال عمله ومنهم: أحمد الزين، عبد المجيد مجذوب، عمار شلق، بيار داغر، مجدي مشموشي، دارين حمزة، مازن معضم، وفاء شرارة، بولين حداد، نيللي معتوق، كريستين شويري، آلان الزغبي، منى كريم، ختام اللحام، رندة حمشي، خالد السيد، جهاد الأندري وطوني عيسى. كما رُشّح لأدوار رئيسيّة أخرى كل من فؤاد شرف الدين ومحمد إبراهيم. وسجلت مشاركة المخرج السوري سمير حسين في دور مناضل فلسطيني.
يطرح «الغالبون» قصة عائلات لبنانية من خلال التركيز على شابين من الجنوب هما فارس وعلي، كان طموحهما إكمال تعليمهما والسفر إلى الخليج. في هذه الأثناء، يجتاح الجيش الإسرائيلي لبنان، فيجد الشابان نفسيهما في ظروف قاهرة يخلّفها الاحتلال، فينخرطان في المقاومة وتتوالى الأحداث حتى عام 1985.
وحالياً، دارت كاميرا الخطيب في مختلف مناطق الجنوب اللبناني، برفقة فريقه الذي يعمل إلى جانبه في شركته «جوى للإنتاج الفني». لكن ماذا عن ميزانية العمل؟ يكشف الخطيب أنها «ميزانية مفتوحة ومريحة» من دون درايته بالرقم المخصص لها.
من جانب آخر، وكما بات معروفاً، فإن تلفزيون «المنار» يدخل شروط الرقابة الدينية على أي عمل سيعرضه، وربما يخرّب بعض عناصره الفنية، كما حصل مع «أنا القدس» حين حذف صوت أصالة عن الشارة. هنا يوضح الخطيب «العمل لا يتناول المقاومة الإسلامية فقط. بل يعرض شخصيات مسيحيّة وأخرى يهوديّة، لكن الأحداث تنطلق من مجتمع الجنوب المحافظ، وهذا ما سنحترمه وسنحاول نقل تفاصيل البيئة من دون الإغراق فيها». إضافة إلى ذلك، يرجح الخطيب أن يؤلف رضوان نصري موسيقى تصويرّية ملحميّة ترافق الشارة ومجريات الأحداث، وهو الأمر الذي يتناسب مع طبيعة المسلسل.
إذاً، سيكون أمام باسل الخطيب مهمة صعبة، ترتبط بنقل البيئة المحافظة لأهل الجنوب الذين يخصّهم العمل أكثر من سواهم، من دون أن يأخذ العمل الصبغة الدينية البحت.


«حياة» فلسطين

بدأت كاميرا باسل الخطيب الدوران في الجنوب اللبناني، معلنة بدء تصوير الجزء الأول من «الغالبون»، على أن يرجأ إنتاج الجزءين الباقيين بعد عرض الجزء الأول. المحطة الأولى للتصوير كانت في بلدة كفرجوز (على أطراف النبطيّة)، ثم ينتقل فريق العمل إلى مكان قريب بني فيه معتقل مشابه لمعتقل«أنصار». وصرح الخطيب بأنه لا يزال ينوي إخراج فيلم بعنوان «حياة» يسلط فيه الضوء على القضية الفلسطينية بطريقة مختلفة عن «أنا القدس». ويقول: «ما زلنا في مرحلة كتابة السيناريو، وسأتفرغ له بعد الانتهاء من الجزء الأول من «الغالبون»».