رام الله ــ يوسف الشايب

لا يخلو فيلم «ميرال» للسينمائي الأميركي جوليان شنابل (1951) من الإسقاطات. عرض الشريط في افتتاح الدورة الخامسة من «مهرجان القصبة السينمائي الدولي» الذي يواصل عروضه بين رام الله والقدس ونابلس وجنين وبيت لحم وغزة حتى 18 تشرين الأول (أكتوبر) الحالي. الشريط الروائي الخامس في مسيرة السينمائي الحائز جائزة «غولدن غلوب»، مقتبس عن سيرة تحمل العنوان نفسه، وقعتها الكاتبة والصحافية الفلسطينية ــــ الإيطالية رولا جبريل بالإيطالية عام 2004.
عرض العمل للمرة الأولى في «مهرجان البندقية السينمائي» الشهر الماضي، ويحتاج إلى قراءة متأنية لما قد يحمله من دلالات. الصحف الإسرائيلية وصفت شريط شنابل بـ«الخطير» و«المنحاز إلى الجانب الفلسطيني». لكنّه دفع مخرجين فلسطينيين إلى التدقيق في ما يحمله من رسائل قد تكون منحازة إلى «معسكر السلام» الذي بات يراه مجمل الفلسطينيين ذا أبعاد مشبوهة.
ولعل ما أثار حفيظة كثيرين، أنّ الشريط يبدأ بإشارات تعايش، تنقلب سريعاً بعد النكبة عام 1948، وما خلّفته من مآسٍ ومجازر، من بينها مجزرة دير ياسين. الشخصية المركزية في العمل هي المناضلة هند الحسيني (هيام عباس) التي حولت منزل جدها إلى مدرسة للأيتام، أو «بيت الطفل العربي». إحدى متخرجات البيت، هي رولا جبريل، صاحبة النص/ السيرة التي أعطت لنفسها اسم ميرال وتؤدي دورها هنا الممثلة الهندية ــــ البريطانية فريدا بينتو.
العمل حكاية شابة عايشت مآسي إنسانية واجتماعية وسياسية أيضاً، ما يدفعنا إلى المراهنة على الأثر الذي قد يخلفه الشريط عند عرضه في الصالات الأميركيّة والعالميّة في آذار (مارس) المقبل. بين النكبة وأوسلو، يعرض شريط شنابل أربع حكايات متشابكة لأربع فلسطينيات، هن هند الحسيني، وكانت بمثابة الخيط الدرامي الرابط بين الشخصيات، ونادية والدة ميرال (ياسمين المصري)، وصديقتها المناضلة فاطمة برناوي (ربى بلال)، وميرال نفسها. لمسات شنابل السحرية بارزة وباهرة على صعيد تقنيات الإخراج، وهي كفيلة بجعل الفيلم ــــ رغم بعض التحفظات ــــ أحد أهم الإنتاجات العالميّة عن القضية الفلسطينية.


بين النكبة وأوسلو حكايات متشابكة لأربع فلسطينيات

النص بوح جريء لجبريل، عمّا تعرضت له والدتها نادية من اغتصاب في طفولتها، وعملها لاحقاً في مراقص المستوطنين، وصولاً إلى إدمانها الكحول وانتحارها في البحر. وكانت المنحة الدراسية إلى إيطاليا التي وفرتها الحسيني لميرال بمثابة طوق نجاة لها بعد وفاة والدها المفترض، ومقتل حبيبها الذي اتهم بالخيانة لموقفه الإيجابي من اتفاقية أوسلو.
رمزية الخلاص من خلال الرحيل تطغى هنا، إضافةً إلى بعض المفاصل الملتبسة. يمكن تبرير ذلك بكون الراوي الأخير للحكاية، أي شنابل، ليس فلسطينياً. هو لم يتعامل مع الفلسطينيين كأصحاب حق فقط، بل كبشر، لا كملائكة، أو مساكين، أو أبطال خارقين. شنايبل المولود لعائلة أميركية يهودية، وكانت والدته ترأس «منظمة النساء الصهيونيات في الولايات المتحدة» عام 1948، قال إنّه حاول من خلال اقتباس «ميرال» اكتشاف «الجانب الآخر من الرواية».


لنا عودة نقديّة مفصّلة إلى الفيلم في مناسبة عرضه في «مهرجان أبو ظبي» الذي ينطلق يوم 14 ت1 (أكتوبر) الحالي