صلاح حسن

مقولة ماركس «إن الصراع الطبقي هو الأداة الأساسية لدراسة المجتمع»، تحولت إلى عتبة ابيستيملوجية حالها حال مقولة فرويد في «اللاوعي». ولعبد العزيز الدوري مقولة يمكن عدّها عتبة ابيستيملوجية هي «العوامل الاقتصادية في فهم التاريخ وحركة المجتمع». فقد بقيت تتكرر في الكثير من مؤلفاته، منذ ظهور دراساته التاريخية المبكرة الأصيلة. اعتمد الدوري في تدوين التاريخ على الرجوع إلى المصادر الأصلية، من خلال مقاربتها بطريقة عقلية ومنطقية، واستخلاص الحقائق منها وتفريقها عما هو خرافي أو قدسي. كانت خلاصاته تتسم بالعمق والأصالة، إذ وضع العامل الاقتصادي في صدارة تحليلاته لحركة التاريخ. برأيه، التاريخ لا يموت، لأنّه يرتبط بالتطور الحاصل في المجتمع واتجاهاته الفكرية، خصوصاً في ما يتعلّق بالعرب والإسلام.
لم يستلهم الدوري في دراساته فلسفة تاريخية معينة، يطبقها في منهجه. فقد كان يظنّ أنّ الفلسفات التاريخية مرتبطة بظروف نشأتها، وقد يؤدّي استلهامها إلى إخراج التاريخ من حيّزه. وقد عبّر عن ذلك بوضوح حينما قال: «إنّنا ندرس تاريخنا لكي نكوّن فكرة واضحة عن جذور حاضرنا، ونفهم إمكاناتنا، ونقدر دورنا في سير البشرية». هو بذلك يكون قد رفض تفسير المؤرخين العرب القدماء وبعض الآراء التي تتخذ من «المشيئة الإلهية» أو الأخلاق منهجاً (باستثناء ابن خلدون).


مات قبل إنجاز «تاريخ الأمة العربية» بطلب من «الأونيسكو»
لا يعدّ الدوري منهجه «التفسير أو العامل الاقتصادي» مادياً، أو حتّى ذا نزعة مادية، هو الذي كان أكثر ميلاً إلى النزعة القومية. في كل دراساته، يؤكد الدوري أنّ تاريخ الأمة العربية شريط متصل يؤلّف سلسلة حلقات يمسك بعضها بعضاً. أمّا حاضر الأمة، فهو نتاج سيرها التاريخي وبداية طريقها إلى المستقبل، لذلك لا انقطاع في التاريخ، ولا ظاهرة تولد فيه من دون جذور أو تمهيد. برأيه، الاتصال في تاريخ الأمة لا يعني أنّ التاريخ حركة رتيبة، بل يحوي فترات تزخر بالحيوية، وأخرى تتصف بالتطور الهادئ. برأيه، لكلِّ أمة فتراتها الثورية، كما يحلو له أن يعرّف «الثورات» في العصرين الأموي والعباسي. وبرأيه هذه الانتفاضات «هي في الواقع انطلاق صاخب لقوى تجمعت خلال فترات من الكبت أو من التطور السريع الواسع، أو هي تعبير عن غليان داخلي انفجر في ثورة صاخبة، وقد تكون لهذه الفترات آثارها البعيدة في الفترات التي تعقبها أو في فترات تالية».
لم تقتصر جهود الدوري العلمية على العراق. له إسهامات كبيرة في كتابة التاريخ الموسوعي العالمي، فقد شارك في كتابة موسوعات عالمية منها «دائرة المعارف الإسلامية». وكانت منظمة «الأونيسكو» قد عهدت إليه بالإشراف على مشروع «تاريخ الأمة العربية»، لكنّه مات قبل أن ينجزه.