صلاح حسن

من يقرأ الروايات السعودية الشابة هذه الأيام، يشعر بالحراك الذي يعيشه المجتمع السعودي في السنوات الأخيرة. لكن اللافت هو النقد الموجه إلى المجتمع التقليدي أو «المجتمع البدوي» بعاداته القديمة التي لم تعد تتماشى مع مقتضيات العصر الحديث.
الروائي السعودي الشاب طاهر الزهراني يقدم في روايته «نحو الجنوب» (دار طوى) مجتمع الجنوب السعودي بكل ما فيه من «قذارات» على حد تعبيره. تتناول الرواية قصة شاب يعيش في الجهة الشمالية من المملكة، وتحديداً في جدة الكبيرة والمنفتحة إلى حد ما. عابث وكسول، ومولع بقراءة الكتب وعاطل من العمل. لهذه الأسباب، يقرر أبوه إرساله إلى الجنوب كي يصبح رجلاً حقيقياً على الطريقة التقليدية البدوية. في بيت جده الذي يعد من أكثر الرجال تمسكاً بالتقاليد الأصيلة، يجد الشاب أنّه ضحية مؤامرة ستجعله يكفر بكل تلك التقاليد البالية بعد أن يتجرّع أنواعاً من العذاب في تلك البيئة الجبلية الجرداء من كل شيء.
لحظة وصول الشاب إلى بيت جده الصامت مثل صنم، يتفقد المكان الذي قسم إلى طبقتين: الأسفل للماشية والأعلى للنوم. وخارج هذا المبنى الصلد، عراء الجبال بصخورها القاسية. هذا هو الفضاء الذي سيتحرّك فيه الشاب الذي لا يعرف أصول الديرة والقبيلة والمرجلة. وما سوف يجبر على القيام به، هو التعذيب بعينه. أول صفعة يتلقاها من جده حين ينتزع حذاءه من قدميه ويقطعه بسكينه التقليدية التي يحملها جميع الرجال الحقيقيين.

انتفاضة صغيرة ستتبعها مغامرات أخرى في المستقبل
التطرف الذي يحصل في القرية يقابله تفكك في المدينة. والنتيجة تراجع الاثنتين إلى الحضيض على المستوى الاجتماعي. إذ إنّ الرسالة التي تصل إلى الشاب زهران من أحد أصدقائه القدامى في جدة، تحمل أخباراً غير سارة عن الحارة التي كان يعيش فيها. وأكثر هذه الأخبار سوءاً هروب البنات خوفاً من تزويجهن من رجال كبار وكريهين إلى درجة البشاعة. وأكثر من ذلك، فإنّ الفتيات اللواتي يتزوجونهن يبقين عذراوات! يحاول الروائي هنا كغيره من الكتّاب الجدد الإشارة إلى تقاليد لم تعد مرغوبة في ظل العولمة التي اجتاحت العالم شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، لكن السلطة البطريركية هناك ما زالت مهيمنة ومدعومة بالمال والشرع وأشياء أخرى كثيرة.
كتبت الرواية بلغة سلسة وبسيطة لا بلاغة فيها، وزمنها خطّي متواصل مثل سيرة ذاتية متصاعدة في الزمن، باستثناء فصل قصير كناية عن «فلاش باك» ترويه شخصية لا أحد يعرف إن كانت ذكراً أم أنثى. لكنها أنثى بشعة على كل حال، حوّلها المجتمع الذكوري إلى مسخ لأنّ المرأة عاهة في نظر هذا المجتمع. يشعر القارئ بالنفَس القصير للكاتب الذي يعترف بذلك في بداية الرواية، فيقسمها إلى فصول قصيرة كي لا يفلت منه حبل الروي أو القص.
كذلك خلال رحلة زهران إلى القرية على الطريق الساحلية، ترد جملة تقول ما معناه أن هناك طريقين للسيارات: واحدة للمسلمين، وأخرى لغيرهم. وفي ذلك إشارة واضحة إلى عنصرية حادة لم تستطع هذه المنطقة التخلص منها بعد. هذا ما كناقد أشرنا إليه من عملية النقد الجريئة التي يمارسها الكتاب في المملكة. على أي حال، الرواية واعدة في أفكارها، قد تمثّل انتفاضة صغيرة في محيط صغير، لكنها مغامرة جميلة ستتبعها مغامرات أخرى في المستقبل، وقد تكون لحظة جديدة في هذا الحراك المستمر.