الجزائر ــ سعيد خطيبي

هي عميدة الممثلات الجزائريات، وأول عربية تمشي على بساط «مهرجان كان السينمائي» الأحمر (1967). عاشت راقصة وممثلة في المسرح والسّينما، وجسّدت أدواراً مهمة في أشهر الأفلام الجزائرية. عاصرت مؤسسي الفن الرابع، ونسيتها ذاكرة الجزائر القصيرة بعدما رحلت منذ أيام إثر وعكة صحيّة مفاجئة. حينها فقط، تذكر الجميع أن الجزائر كانت تمتلك امرأة وفنانة تعيش الحاضر بكل ما يحمله من خيبة وتناقضات، بعيداً عن روح النوستالجيا.
«ليس سهلاً اختزال كلثوم وهي حيّة، فكيف يمكن اختزالها بعد وفاتها؟» هكذا تصرّح الممثلة بهية راشدي التي رأت أن الراحلة «امرأة استثنائية».

آخر إطلالاتها كانت في فيلم «البوابون» عام 1991
كانت جميع المعطيات متوافرة كي تجعل من كلثوم (اسمها الحقيقي عائشة عجوري) امرأة عادية، تخضع لسلطة البطريريكة، في جزائر بدايات القرن الماضي. لكن الصغيرة «عيشة» (1916 ـــــ 2010) قررت كسر القاعدة. فكرت في ولوج عالم الرقص ووجدت نفسها، تدريجاً، تنسحب صوب المسرح، بمساعدة محيي الدين بشطارزي (1897 ـــــ 1986)، الذي رافقها في أولى خطواتها، ونقلها من مسقط رأسها في البليدة (70 كلم جنوبي العاصمة) إلى الأوبرا ومنحها أدواراً نسائية، في كثير من الأعمال، سواء الكوميدية أو التراجيدية. لعبت إلى جانب أسماء معروفة، مثل رشيد قسطنطيني وحبيب رضا. واشتهرت خصوصاً في مسرحية «زواج بالهاتف» (1963).
قبل ذلك أي في عام 1951، مرّت بحالة نفسية متقلبة إثر ضغوط اجتماعية كادت توقف مسيرتها، لكنها استطاعت الخروج منها والعودة إلى الخشبة في مسرحية «عطيل» لويليام شكسبير التي اقتبسها بالعربية أحمد توفيق المدني (1952). مع اندلاع الثورة التحريرية، توقفت عن العمل الفني، وانخرطت في العمل النضالي السري، ثم عادت إلى ملاقاة الجمهور سنة 1963 واستمرت في التمثيل حتى اعتزالها سنة 1989.
مشاركتها في فيلم «رياح الأوراس» (1966) للمخرج محمد لخضر حامينا، حيث جسدت دور «أم» تبحث عن ابنها الذي اعتقله جنود الاحتلال، مثّلت النقلة النوعية في تجربتها الفنية. فيلم سمح لها بالبروز محلياً وعربياً، وخصوصاً بعدما نال الفيلم نفسه جائزة «أفضل باكورة» في مهرجان «كان» (1967).
استمرت حياة التّجريب، في المسرح والسينما، والغناء والرقص أيضاً. وأثمرت 70 مسرحية، و20 فيلماً، وخمسة أشرطة، مع العلم أنها توقفت عن الغناء مباشرة بعد ولادة ابنها الوحيد (1954). حرمتها إدارة المسرح الوطني الجزائري من مواصلة عملها وهي في سنّ العطاء، بعدما أحالتها على التقاعد قبل أيام فقط من عرض آخر مسرحياتها «موت المسافر» للمخرجة فوزية آيت الحاج عام 1987. وكانت آخر إطلالاتها في فيلم «البوابون» (1991) للمخرج رويشد. وصفتها الممثلة فريدة صابونجي بأنّها «امرأة احترمت فنها»، عاشت حياتها متنقلةً عبر المسارح واستوديوهات التصوير لا تؤمن سوى بحقها في الفن والتمثيل.