بعدما غرقت شوارع بيروت والضواحي بالنفايات، انتظر الكثيرون أن «ينتفض» الناس، إلا ان الناس لم يفعلوا، ما عدا تحركّات غاضبة بسيطة قامت بها قلّة من الشباب والشابات وبعض سكان البلدات الذين أعربوا عن خشيتهم من طمر النفايات في مناطق عيشهم، كإقليم الخروب والشحار الغربي. المعطيات والوقائع التي يقدّمها تقرير البنك الدولي الاخير «الحد من الفقر والمساواة في الرفاهية: تشخيص منهجي للبلد» تقودنا بشكل غير مباشر للإجابة على سؤال مهم: لماذا لا تؤدي الازمات الكبرى التي يعيشها اللبنانيون الى تفاعل اجتماعي يصل الى حد فرض التغيير؟


يتطلب هذا الأمر معرفة الهيكلية الاقتصادية التي بناها هذا النظام الطائفي وما تولّد عنها من بنية اجتماعية مشوّهة روّضت الناس وجعلتهم خاضعين بالكامل لمنظومة مصالح لا تعبر عنهم، وبالتالي جعلت التغيير أمراً صعباً لأن الناس لن يتحرّكوا بسهولة. فوفق البنك الدولي، «لا يمكن فصل النمو الاقتصادي ومسار التنمية منذ الاستقلال عن تطور النظام الطائفي. ويرجع ذلك إلى دور الطائفية في توفير أسس النظام السياسي في لبنان وأيضاً في تحديد العلاقات وأشكال التنظيم الاقتصادي والاجتماعي». وفي هذا الصدد، يمكن الاعتراف بأنّ النظام الطائفي مارس تأثيراً تأسيسياً في هيكلة النمو الاقتصادي ومسارات التنمية.

تطور النظام الطائفي

يشرح التقرير كيف تطور النظام الطائفي عبر الصراعات العنفية، فتحوّل هدفه من حماية «حقوق الأقليات» الى ترسيخ سيطرة النخبة على الامتيازات. ففي الفترة التي تلت الاستقلال عام 1945 كان «الهدف من النظام الطائفي تجنّب هيمنة جماعة واحدة على الآخرين»، إلّا أنه قبل اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 بدأ هذا النظام يعدّل أهدافه، فمارست الدولة، من خلال النخبة الحاكمة، علاقة زبائنية وتدخلت بشكل متزايد في السوق وشوّهتها بهدف تقسيم الحصص بينها. نتيجة لذلك ضعفت السلطة المركزية للدولة وللمؤسسات وتكرّست قبضة النخبة على صلاحيات الدولة. وبالتالي، «ما كان في البداية نظاماً طائفياً يهدف الى توفير الضوابط والتوازنات لحماية الأقليات الطائفية تطور إلى نظام المحسوبية الذي يسود اليوم». في فترة الحرب ترسّخت قبضة «الطبقة النخبوية» على المؤسسات، فلجأت الى التوظيف التعاقدي لتفادي انهيار الخدمات العامة ما أدّى الى توظيف المؤهلين وغير المؤهلين، وخلق هيكل وظيفي في الإدارة العامة تديره قوى غير ماهرة. نتيجة لذلك، فإن معظم الخدمات والمرافق العامة فقدت قدراتها ووظيفتها الحقيقية، لتصبح ببساطة مصادر للتوظيف والرشوة، والتحويلات لصالح أمراء الحرب.


النظام السياسي رسّخ سيطرة
النخبة التي تستخدم الطائفية قناعاً لها

انتهت الحرب وأتى اتفاق الطائف «ليعزّز سيطرة هذه النخبة من خلال أوسع توزيع للسلطة السياسية ولمسؤوليات المؤسسات». يخلص التقرير إلى الاستنتاج نفسه الذي عبّر عنه الباحث فواز طرابلسي في دراسة «الطبقات الاجتماعية في لبنان: إثبات وجود»، اذ أنّ «التركز الاقتصادي بعد الحرب قابله تركز في السلطة السياسية، فرض على نظام المحسوبية الانتقال الى تقديم الخدمات الجمعية عوضاً عن الخدمات الشخصية او العائلية. ما ادى الى ارتفاع كبير في أكلاف المحسوبية عن طريق المال السياسي الموظف في هذه المهمة».
يُكمل تقرير البنك الدولي أنّ النظام السياسي الذي نتج من الطائف، على الرغم من أنه «رسّخ سيطرة النخبة التي تستخدم الطائفية قناعاً لها»، إلا أنه كان منظماً وفعالاً (لكن ليس كفوءاً) ، طالما «هناك قوة تفرض على الجماعات الدينية القرارات»، وفي هذه الحالة كان النظام السوري هو هذه القوّة. جعل النظام السياسي عملية أخذ القرار شبه مستحيلة، في حال غياب القوّة الخارجية، اذ اعطى قوة نقض القرارات للجماعات الدينية الرئيسية. في مواجهة ضعف الحكومة والمؤسسات العامة بلورت المؤسسات الطائفية واقع كونها «دولاً داخل الدولة»، ووضعت الآليات من قبل الطبقة السياسية التي حوّلت القطاع العام الى مصدر للزبائنية السياسية وضمان ولاء جماهيرها من مختلف دوائرهم الانتخابية. هكذا إذاً، تم تفريغ الدولة عبر نقل السلطة السيادية للجهات الطائفية، وبالتالي أصبحت المؤسسات غير قادرة على تقديم الوظائف الاساسية للدولة.

«إعادة الإعمار» خلقت اقتصاداً ضعيفاً

بعد اتفاق الطائف أتت مرحلة «إعادة الإعمار» الشهيرة. يقول التقرير إنّ «التأثير القوي للقطاع الخاص وللمصالح الطائفية أعاق التوزيع العادل والفعال للاستثمارات في البنية التحتية، وكنتيجة لذلك خضعت هذه الاستثمارات للعديد من الاعتبارات أبرزها الحصص الطائفية والجغرافية الانتخابية، بدلاً من الاستثمار وفق الحاجات الفعلية للبلد». منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، انهالت التهم ضد من انتقد عملية «إعادة الإعمار» وصُنّف هؤلاء انهم لا يريدون لهذا البلد أن ينمو. يقول التقرير إنّه «انتُقدت عملية إعادة الإعمار والنمو الاقتصادي الذي نتج منها، على اساس أنّ مجموعة صغيرة من السكان استفادت منها، كذلك انتقدت آلية تركز عمليات الاستثمار في بيروت وحصول النخبة الثرية على الارباح المحققة». الانتقادات التي ينقلها البنك الدولي عن غير لسانه، يعود ويؤكدها بقوله حرفياً إنّ «طبيعة عملية اعادة الإعمار أدّت الى خلق بيئة اقتصادية تتميز بضعف البنية المالية العامة التي تخلق نقاط ضعف كبيرة للاقتصاد»، ويعترف أنّ «معدلات الفوائد على الديون التي أُخذت بعد الحرب الأهلية كانت عالية للغاية نظراً لفترة التضخم والانخفاض الحاد للعملة في نهاية الحرب».
انطلاقاً من ذلك، يورد البنك الدولي في تشخيصه مجموعة من المعطيات التي تحدّد هيكلية البنية الاقتصادية والاجتماعية التي جرى تشويهها عمداً من قبل «الطبقة النخبوية» من أجل جعل أي عملية تغيير أمر صعب جداً. يقول التقرير إنّ «مؤشرات الفقر سجلت ارتفاعاً منذ حوالى 25 سنة، وقد أظهرت البيانات (لعام 2005) أنّه من خلال استخدام الخط الأعلى للفقر هناك 28% من إجمالي السكان يعتبرون ضمن الفئات الفقيرة، كما أن التوزيع المناطقي لنسبة الفقر لم يكن متساوياً، إذ بلغ أقصاه في شمال البلاد وجنوبها». وتدل المؤشرات العالمية على ان تحسين الأجور وخلق فرص عمل هما العاملان الأساسيان للحد من الفقر، إلا أن واحدة من أبرز الادوات التي استخدمتها النخبة لفرض الخيارات السيئة على اللبنانيين كانت الإمساك بالنقابات العمالية.
ماذا فعل أرباب النظام لمواجهة الفقر المستشري منذ 25 سنة؟
أولاً، ودائماً وفق التقرير، تمّ خلق وظائف بمعظمها ذات نوعية وإنتاجية منخفضة في قطاعات مثل الخدمات، وهي تشكل ثلث فرص العمل التي تم خلقها خلال 2009-2014.
ثانياً، استحوذ قطاع العقارات على 50 الى 70 في المئة من مجموع إجمالي تكوين رأس المال الثابت منذ عام 1997.

قدّر توفيق كسبار المديونية العامة للدولة بأكثر من 102 مليار دولار، أي 205% من الناتج المحلي القائم
ونظراً إلى واقع أن القطاع يميل إلى جذب العمالة غير الماهرة بشكل رئيسي، والتي في لبنان يتم توفيرها من قبل العمال الأجانب، لم ينتج من النمو الاقتصادي في هذا القطاع خلق فرص عمل للبنانيين. وعليه، شكل قطاع العقارات والبناء حصة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي (بلغت 17.1 في المئة في المتوسط ​​بين أعوام 2004 و2011) إلا أنه فعلياً كان يوظّف بمعدل 7.8 في المئة فقط من اليد العاملة اللبنانية بين عامي 2004 و2009.
ثالثاً، نصف القوى العاملة في لبنان موجودة في قطاعات غير نظامية. أمّا أسواق لبنان فنصفها محتكر من قبل فرد أو مجموعة صغيرة من الأفراد. يستنتج البنك الدولي أنّ «عملية خلق فرص العمل مقيدة بسبب النظام الطائفي الذي تسيطر عليه النخب التي تقود توزيع السلطة وتفتقر للمساءلة. أدّى هذا النظام الى التدخل السياسي في المؤسسات العامة وتركيز النفوذ السياسي والثروة في يد عدد قليل من العائلات على حساب التنمية الاقتصادية الأوسع وخلق فرص العمل».
يشير التقرير سريعاً في نهايته الى أنّ النظام الاقتصادي قائم على الريع فيقول إنّ «هذا النظام فشل في ادارة صراعات المصالح بين أصحاب الأموال والنخبة السياسية التي تخلق الريع الاقتصادي. في نهاية المطاف، يعتبر الفساد المحرك الأساسي للنظام الطائفي وأبرز مظاهره هي دفع الرشى في كل من القطاعين العام والخاص».

تشوّه البنية الاجتماعية يكبح التغيير

الريع هو كل ربح يتحقق من دون عمل ويساهم في تركز الثروة وزيادة كلفة العيش والانتاج، وبالتالي ليس لبنان الدولة الوحيدة التي يوجد فيها نظام ريعي، إنما يتميّز النظام الطائفي في لبنان بأنه لا يمكن إلا أن يكون ريعياً… لا يقتصر الريع على اشكاله الكلاسيكية المتمثّلة بالريع العقاري، ففي حالة لبنان يطغى أيضاً الريع المالي من خلال مديونية هائلة، قدّرها الخبير الاقتصادي توفيق كسبار بأكثر من 102 مليار دولار، أي 205% من الناتج المحلي القائم (مديونية الحكومة ومصرف لبنان والمتأخرات)، وكذلك هناك ريوع الاحتكارات التجارية التي تستولي على 16% من الناتج المحلي، بحسب تقديرات البنك الدولي نفسه، وريوع الدولة والامتيازات والرخص والأفضليات والسطو على الاملاك العامة... الخ.

استحوذ قطاع العقارات على 50
إلى 70 في المئة من مجموع إجمالي تكوين رأس المال الثابت منذ عام 1997
يضاف الى ذلك ان المؤسسات الطائفية تأخذ نسبة كبيرة جداً من الموازنة العامة مقابل تقديم خدمات لجمهورها بصفتها وسيطاً. كما انّ التوظيف الطائفي والسياسي هو ريع إذ «يعوق قدرة الدولة على تقديم الخدمات العامة بكفاءة ويؤدي الى اعطاء المصالح الطائفية الأولوية وليس الحاجة إلى التوزيع العادل وتوفير الخدمات». ويذكر التقرير انّ «المستويات العالية من التحويلات المالية من اللبنانيين العاملين في الخارج تساعد في الحفاظ على الاقتصاد اللبناني، الى جانب النظام المصرفي القوي»، علماً أن هذه التحويلات، التي تقدّر بنحو 8 مليارات دولار سنوياً، تتسم بأن لديها وقع الريع نفسه.
جميع هذه «الريوع» تنتج في آونة واحدة برجوازية رثة مسيطرة وبروليتاريا رثة مهمّشة وبينهما مزيج من الفئات المتذبذبة والقلقة التي ترتضي واقعها خوفاً من الأسوأ أو حفاظاً على منافع صغيرة وامتيازات بسيطة (الوظيفة الدائمة أصبحت امتيازاً) تحصل عليها من الاستتباع لزعيم الطائفة ونيل حمايته.
بناءً على تقارير سابقة للبنك الدولي، يمكن رسم خريطة المجتمع المقيم في لبنان على الشكل التالي:
- نصف السكان في سن العمل (47%) ناشطون ونصفهم غير ناشط معظمهم من النساء.
- نصف القوى العاملة اللبنانية مهاجر.
- نصف الناشطين أجراء، ونصفهم غير أجير، أي يعملون لحسابهم الخاص.
- نصف الأجراء نظاميين، ونصفهم غير نظامي او عاطل عن العمل.
- نصف غير الأجراء يعمل في نشاطات ذات إنتاجية متدنية، والنصف الآخر في نشاطات ذات انتاجية عالية او مهن حرّة او اصحاب عمل.
تمنع هذه البنية تحديد قطبين اجتماعيين متصارعين. وتعبّر عن ضخامة وزن البروليتاريا الرثة وضعف الطبقة العاملة التي يُفترض أن تشكّل أساس ما يسمى الطبقة الوسطى، وهناك مؤشر مهم يضاف الى كل ذلك، هجرة اليد العاملة اللبنانية الماهرة من لبنان وهجرة اليد العاملة الاجنبية غير الماهرة الى لبنان. وباتت نسبة كبيرة من المقيمين في لبنان من اللاجئين السوريين والفلسطينيين والعراقيين، وهؤلاء لا صوت لهم ولا تمثيل ويعانون من ممارسات عنصرية وقمع واضحين.

لماذا لا ينتفض الناس؟

تفيد هذه المعطيات في فهم مسائل كثيرة، منها مسألتا النجاح الباهر الذي تحرزه «صناعة القلق» والنجاح الباهر الذي يحرزه «تعميم الفساد» وتصويره حلاً فردياً.

نصف أسواق لبنان محتكر من قبل
فرد أو مجموعة صغيرة من الأفراد
هاتان المسألتان جعلتا شرائح واسعة ترضخ، وغالباً تنخرط في شبكة المحسوبية والزبائنية، ظنّاً منها أنها تنتش بعض المنافع التي تقيها العوز أو تخاف من فقدان «الامتياز» والانزلاق الى خانة الفقراء او البروليتاريا بواقعها الرث. ينطبق ذلك (مثلاً) على أكثرية الأطباء والمحامين والصيادلة والمهندسين والاساتذة والمعلمين والإعلاميين وموظفي الملاك في الادارة العامّة والمؤسسات العامة ومستخدمي المصارف والتأمين والاتصالات والتجّار الصغار وأصحاب الحيازات العقارية الصغيرة وأسر المغتربين وكوادر الأحزاب الطائفية ومتفرغيها... ومعظم الأجراء المستفيدين من انظمة الضمان الاجتماعي الذين يخافون من أن يصبحوا من عداد نصف اللبنانيين غير المشمولين بأي تغطية صحية دائمة... يضاف الى هؤلاء (مثلاً) المودعون والمقترضون في المصارف واصحاب مولدات الكهرباء وتوزيع القنوات التلفزيونية وبائعو المياه والذين بنوا بيوتهم أو محالهم على المشاعات والاملاك العامة أو أسسوا جمعيات ومنظمات لنيل التمويل... الخ. لعل قاعدة هيئة التنسيق النقابية، تمثل نموذجاً لشريحة من هذه الشرائح، فعلى الرغم من «الشجاعة» التي أثبتتها، إلا أنّها لم تتجرأ على رفع مطلبها الى ما هو ابعد من مطلب «فئوي» يرمي الى الدفاع عن امتيازات في سلسلة الرتب والرواتب. ما انتهت اليه الهيئة يبين كيف بات الجميع رهائن في «اللعبة»، وكذلك نموذج «النفايات»: إمّا الرضوخ لمصالح النخبة المسيطرة وإمّا «خل الزبالة تطمركم».