أطلق اكتشاف الغاز في المياه الإقليمية اللبنانية آمالاً كبيرة في شأن أفق البلاد الاقتصادي، وتوقّع بعض المحلّلين أن الغاز سيخفض قيمة فاتورة البلاد الطاقويّة، وسيؤمن تسديد الدين العام، وستنجم عنه تنمية للمناطق المختلفة، لكن في الواقع ليس الغاز بالضرورة وسيلة لتحقيق أي من هذه الغايات؛ بل على العكس، يُمكن أن يُقوّض على نحو كبير النظام الاقتصادي السياسي إذا أُسيئت إدارة عائداته.

وإلى كيفية التعاطي مع الخلافات الحدودية البحرية مع إسرائيل، فإنّ التحدّي الأساسي الذي يواجه الحكومة اللبنانية هو كيفية تحويل عائدات الغاز إلى نموّ مستدام مصحوب بتحسبن البنية الاقتصادية والرعاية الاجتماعية؛ والعديد من البلدان الغنية بالنفط والغاز فشل في تحقيق ذلك. ففي مقابل كلّ بلد على نسق النرويج، تمكّن من مضاعفة حصّة الفرد من الناتج المحلّي الإجمالي بين عامي 1980 و2008، هناك بلد يُشبه نيجيريا، حيث لم يشهد المواطنون أي تغيير في مستوى رفاههم، أو يُشبه السعوديّة، حيث تراجعت حصّة الفرد من الناتج إلى النصف خلال الفترة المذكورة. لذا يصحّ القول إنّ طريق الإدارة الفعالة للموارد النفطية تشوبها صعوبات يُمكن بسهولة أن تغلب الحكومة اللبنانية. ويُمكن الحديث هنا عن 5 تحدّيات مرتقبة على هذه الطريق.
أوّلاً، هناك قدرة الحكومة على التفاوض للحصول على اتفاق جيد مع الشركات العالمية؛ فالحكومة يجب أن تضمن أكبر قدر ممكن من الأرباح، كما يجب ضمان اتفاقية حول الأسعار المستقبلية بهدف الحصول على أعلى العائدات عندما ترتفع الأسعار. وهذه مهمّة شاقّة للحكومات إجمالاً، إذ إنّ العديد من الشركات تتمتّع بموارد وخبرات أكبر في تقدير حجم الغاز المتوقّع استخراجه، لذا فهي في موقع تفاوض أكثر مناسبةً. وبهدف تصحيح اختلال التوازن هذا يجب اعتماد آليّة استدراج عروض ترفع من مستوى المنافسة بين الشركات: كلّما كانت المنافسة أكبر كانت العائدات المتوقّعة للحكومة أكبر. بيد أنّ تجربة لبنان في إقامة عملية استدراج عروض تنافسية للتعاقد، هي ضعيفة، حيث إنّ العديد من العقود التي وُقّعت مع القطاع الخاص شابها الفساد والمحسوبيّة.
ثانياً، يظهر تحدي كيفيّة إدارة حلقة الازدهار والكساد. ففي البلدان المصدّرة للغاز تسود مشكلة تذبذب الأسعار: خلال الأشهر الـ18 الماضية هبطت أسعار الغاز الطبيعي إلى النصف. وبالتالي فإنّ تقلّب العائدات لا يجعل عملية التخطيط أصعب فقط، بل يؤدّي إلى تذبذب في الإنفاق. وضع يُدخل البلاد في دورات الازدهار والكساد، حيث يرتفع الإنفاق العام في السنوات الطيبة، ثمّ تلحقه خفوضات كبيرة في السنوات السيئة. وتتضخّم المشكلة عندما تقترض الحكومة من الخارج بناءً على السعر السائد للغاز، لتواجه بعدها مشاكل هائلة عندما تهوي الأسعار وتستحقّ دفعات الدين. لذا، فعوضاً عن خفض الدين العام، الذي هو أساساً مرتفع، يُمكن لبنان أن يجد نفسه غارقاً في ديون أكبر نتيجة سوء الإدارة. وإحدى الطرق السائدة لحلّ هذه المسألة، تكون بإنشاء صناديق استقرار تؤمّن أنماطاً أكثر ثباتاً من الإنفاق مقارنة بتذبذبات سعر الغاز؛ ويجب تكريس عمل تلك الصناديق طبقاً للمحفّزات المناسبة لضمان عدم استغلالها من جانب السياسيّين.
ثالثاً، هناك تحدي إدارة العائدات؛ فعائدات النفط ليست مصدراً للدخل كما تروّج له المفاهيم الخاطئة. فنظراً إلى أنّ الغاز هو أصل ناضب، أي غير متجدّد، فإنّ استهلاك عائداته يجب أن يُقوّم على أنّه استهلاك رأسمالي لا استهلاك للدخل. بالتالي، تكون الاستراتيجية الأفضل للحكومة هي استثمار عائدات الغاز في الأصول المالية، والتعاطي مع الفائدة المتولّدة من هذا الاستثمار على أنّها دخل. يُمكن تنفيذ ذلك عبر إنشاء صندوق ثروة سيادي يجري عبره استثمار عائدات الغاز في الأسهم والسندات والعقارات وتوظيفات ملائمة أخرى.
ويتمثّل التحدّي الرابع في كيفية إدارة الإنفاق. فأموال الغاز تُغري السياسيّين في الإنفاق أكثر؛ ومن يشعر بأنّ كرسيّه السياسي ليس مضموناً يسعَ إلى الإنفاق سريعاً، لا إلى تأجيل هذا الإنفاق، بهدف ضمان إعادة الانتخاب، أو بهدف المصلحة الذاتية. كذلك فإنّ الشعب يتوقّع تحسيناً في مستوى معيشته مع تحقّق عائدات جديدة. والحقيقة هي أنّ طبيعة النظام السياسي في لبنان تجعل من الصعوبة بمكان احتواء سوء إدارة الموارد هذا، لذا هناك حاجة إلى تطوير قواعد صارمة تُحدّد ما يُمكن إنفاقه، وأين يجري هذا الإنفاق.
التحدّي الخامس هو كيفية التعاطي مع تأثيرات عائدات الغاز على القطاعات الأخرى. فعائدات هذا المورد ستولّد طلباً أكبر على السلع والخدمات غير السوقيّة، كالخدمات الاستهلاكية والإسكان. هذه الخدمات لا يُمكن تأمينها إلّا عبر إعادة توزيع الموارد المحليّة وعناصر الإنتاج من قطاعي الزراعة والتصنيع. ومن شأن هذه العملية أن تؤذي تنافسية هذين القطاعين. وبما أنّ مساهمة هذين القطاعين في الاقتصاد تضاءلت منذ نهاية الحرب الأهلية، فإنّ الغاز سيُفاقم حالتيهما. وللتعاطي مع وضع كهذا، يُمكن تطوير خطّة تعوّض على هذين القطاعين عبر تحسين البنية التحتية واستثمارات أخرى تُحسّن الإنتاجية.
في المحصّلة تبقى قدرة البلدان على تحقيق نمو ذاتي مستدام هي الشواذ لا القاعدة. وأحد العوامل الأساسية التي تُحدّد قدرة الحكومة على إدارة وقود البلاد الأحفوري على نحو فعال، يتمثّل في سواد المؤسّسات السياسيّة التي يُناط بها ضمان الشفافية والمساءلة؛ تلك المؤسّسات تكون موجودة أساساً قبل اكتشاف النفط أو الغاز. لذا، فإذا بقي هذا الوضع قائماً على ما هو عليه في لبنان، فإنّ آمال هذا البلد بتحقيق التحوّل نتيجة استغلال حقول الغاز، ستبقى أحلاماً.
مدير المركز اللبناني للدراسات (LCPS)