يعاني لبنان تبعات ما يحيط به من أحداث واضطرابات، فتتراجع معدلات النمو وتنكمش الفوائض التي كان يحققها في بعض الموازين الأساسية. والمشكلة ليست في التقلبات الاقتصادية فحسب، بل أيضاً في سرعة حدوث ذلك، على الرغم من ضخامة الأموال الوافدة التي لم تمثل ضمانة في وجه الركود، ولا هي ساهمت في لجم الارتفاع النسبي لأسعار الفائدة. ليزيد الفارق من دون مبرر، بين معدلاتها المحلية ومعدل ليبور، من 1.75 نقطة عام 2007 إلى 4 نقاط تقريباً في حزيران 2012، وهذا يزيد كلفة الدين العام أكثر من ألف مليار ليرة لبنانية، ويخفض نسبة الاستثمار الخاص إلى الناتج ما بين أربع وخمس نقاط مئوية.

إن ضعف المناعة الاقتصادية في مواجهة الأزمات، يرتبط بالسياسات الخاطئة التي صارت متلازمة الآن مع تدن خطير في القدرة على اتخاذ القرار، ومن فوضى عارمة تهدد وحدة الدولة، لكنه يعود أيضاً إلى أمرين آخرين: الافتقار إلى رؤية جامعة من جهة، ونضوب الموارد التي يمكن استخدامها في إيجاد الحلول من جهة ثانية.
وهذا يجعل فكرة الحوار الاقتصادي جديرة بالبحث، حوار لا تكون مهمته الأولى الوصول إلى تسويات بين أطراف الإنتاج ولا بين القوى السياسية، بل يبحث عن انطلاقة جديدة تسعى إلى أهداف محددة: هيكلة الاقتصاد على نحو يزيد من كفاءته؛ خفض مخاطر الانفتاح الذي تحول إلى تبعية مالية متنامية، وترتيب الأولويات على نحو يلحظ في آن واحد متطلبات النمو الاقتصادي والاستقرار المالي والنقدي والتوازن الاجتماعي. على أن السياق يبدأ من التعامل مع الأسئلة والتحديات الآتية:
- كيف نخفف ارتباط الاقتصاد المحلي بالخارج، بعدما صارت المساعدات والتحويلات هي السبيل الوحيد للتعويض عن نقص الادخار وردم فجوة الموارد؟ قد يكون السبيل الوحيد الباقي للخروج من هذه الدائرة المغلقة، هو إحداث قفزة إنتاجية نوعية تنقل لبنان درجات عدة على سلم التنمية، فتزيد الناتج الفردي، وتخفض حصة الأنشطة غير المنتجة التي تمارس على نحو غير منظور إعادة توزيع متعسفة للدخل من الأسفل إلى الأعلى.
- ما هو السبيل إلى تطوير الوظيفة الاقتصادية للقطاع المصرفي ضمن صيغة تبادلية متوازنة، تتضمن مثلاً حزمة من الحوافز التي تشجع المصارف على زيادة بل مضاعفة تمويلها للأنشطة الإنتاجية، بدلاً من أن تكتفي كما تفعل حالياً بتغطية عجز الموازين الأساسية. إنّ هذا يوجب التفكير في سبل تكييف بنية القطاع المصرفي وسياساته مع احتياجات النمو والتنمية لا العكس.
- أي سياسات اقتصادية ـــــ اجتماعية ومالية ـــــ نقدية تكفل النمو المنصف للفقراء وتحقق أعلى عدالة توزيع ممكنة دون المساس بالفعالية الإنتاجية؟ هل برامج مكافحة الفقر كافية لتحقيق هذا الغرض؟ واستطراداً كيف نجعل الأهداف المالية والنقدية تابعة للأهداف الاقتصادية والاجتماعية والتنموية؟ فيما نشهد الآن تبعية مقلوبة.
- ألم يحن الوقت بعد لجعل مهمة خفض الدين العام جزءاً لا يتجزأ من رؤية اقتصادية متعددة الأبعاد، لا مهمة منفصلة وقائمة بذاتها تعطل غيرها من المهمّات. لقد أظهرت التجارب العالمية وخصوصاً في النصف الثاني من القرن الماضي، أن سياسات النمو الناجحة هي التي ساعدت على استيعاب مشكلة الدين العام أكثر من أي شيء آخر.
- حتى الآن ما زالت معادلة المخاطر التي نتبناها مكونة من عناصر مالية ونقدية فقط، ألا ينبغي، مع تغير الظروف وتعدد مصادر الخطر، تطوير هذه المعادلة بحيث تشمل عناصر اجتماعية واقتصادية لم تلحظ سابقاً؟
- ألا ينبغي إصلاح السياسات التجارية؟ بعدما أخفقت سياسات الانفتاح المفرط وغير المشروط التي اتُّبعت منذ عام 2000 في تحقيق الغايات المرجوة منها.
- نقول إن اقتصادنا حر بل الأكثر تحرراً بين دول المنطقة، وهذا لا يصح مع سطوة الاحتكارات التي تجعل زيادة أسعار المواد المستوردة في لبنان أعلى دائماً من نسبة ارتفاعها في المنطقة والعالم؛ فما هي الخطوات التي تكفل إطلاق التنافسية وتحرير الأسواق بالسرعة المطلوبة؟
- نتحدث دائماً عن تطوير القطاع العام وإصلاحه، لكن ماذا عن القطاع الخاص الذي يعاني أوجه قصور عدة تبدأ بالمديونية العالية وارتفاع الكلفة وتدني الإنتاجية وضعف الحوكمة ولا تنتهي بصغر الحجم وضيق أفق المنافسة ومحدودية التمويل وارتفاع كلفته تحت طائلة تشوه أسواق الائتمان وعدم اكتمالها.
- بعد فشل خيار تصفية المرافق العامة وبروز الحاجة إلى رؤية أكثر اعتدالاً تلحظ احتياجات المرحلة الانتقالية التي نمر بها، كيف ننظر إلى دور الدولة في الاقتصاد؟ هل هي مسؤولة فقط عن إيجاد البيئة الملائمة لعمل القطاع الخاص؟ أم عليها التدخل لتصحيح الانحرافات وتلبية الحاجات المستحقة وتوجيه الاقتصاد الحر نحو غايات متفق عليها؟ وما هي حدود هذا التدخل؟
- في المقابل، كيف نتجنب الخلط بين الاقتصاد والسياسة؟ أو بتعبير أدق كيف نميز بين الاستخدام المشروع للمال العام تحقيقاً للتوازنات الاقتصادية والاجتماعية، وبين تسخير هذا المال لتصحيح الاختلالات السياسية والطائفية الناشئة عن فشل النظام؟
تتعايش تحت سقف الدولة رؤى متضاربة متناقضة، كانت مسؤولة أكثر من غيرها عن الورطة الواقعين فيها. قد يكون مطلوباً أن نعود أدراجنا إلى المربع الأول، إلى مفترق الطرق نفسه الذي وقفنا عليه قبل عشرين عاماً من الآن، لنضع التساؤلات أعلاه في سياق الرد على السؤال الأهم: هل نستمر في الطريق نفسه أم علينا البدء من جديد..