في اللقاء الشهري الأخير بين حاكم مصرف لبنان رياض سلامة (الصورة) وجمعية مصارف لبنان، أعربت الاخيرة عن «مخاوف مجتمع الأعمال إزاء المشهد الأمني والسياسي المتدهور مع انعكاساته المحتملة على نموّ الودائع وميزان المدفوعات الخارجية والتسليفات للاقتصاد». هذه العبارة، كانت كافية لتوصيف حالة القلق السائدة في القطاع المصرفي، اذ يزداد الشعور بالمخاطر بسبب التطورّات المتسارعة في المنطقة، فالقطاع لا يزال يعتمد على تدفق الودائع كمورد أساسي يحقّق له الأرباح الهائلة، ما يعني أن تباطؤ نمو هذه الودائع يعني تباطؤ نمو الأرباح التي تنزل كالمطر على المصارف.


ليس هناك شكّ في أن المخاطر على القطاع المصرفي مرتبطة اليوم بالتطورات في المنطقة، ففي التقرير السنوي لجمعية مصارف لبنان، الذي وزّع امس، ورد أن «تراجُع التدفقات المالية في عام 2011 وبروز حالة من الاستقرار السياسي المحلي ومن الاضطراب السياسي والأمني في المنطقة عوامل انعكست تباطؤاً في نموّ كل من الودائع والتسليفات في القطاع ونمو نشاطه». لكن المخاوف المقلقة مصدرها استمرار هذا المنحى بوتيرة متسارعة خلال الفترة المقبلة. هي مخاوف تدفع المعنيين إلى الحذر في طرح استعمال أسعار الفائدة أداة نقدية لاستقطاب الودائع، أي زيادة أسعار الفائدة لاستقطاب الأموال. ففيما تطالب جمعية مصارف لبنان بزيادة الأسعار «همساً» يأتيها جواب على شاكلة إشارة واضحة من الحاكم رياض سلامة بالتريّث في طرح الموضوع لأن الوقت «غير مؤاتٍ لتعديل أسعار الفوائد».
لم ينف سلامة إمكان استعمال هذه الأداة في مرحلة لاحقة، بل ترك الأمر مفتوحاً للبحث في الأيام المقبلة. لكن الواقع أن استعمال هذه الأداة مربوط بمستوى المخاطر التي تطال القطاع وهي مخاطر خارجية بالدرجة الأولى قد ترتفع في أي لحظة لتخفض تصنيف لبنان الائتماني، ما يؤدي إلى زيادة أسعار الفوائد، وعندها قد تصبح التداعيات أمراً مختلفاً تماماً لجهة انعكاسها على المالية العامة وعلى كلفة الاستثمار والاستهلاك.
لكن المفارقة أن المعنيين بالقطاع يتوقعون استقرار أسعار الفائدة رغم أن أوضاع المنطقة لن تكون مستقرّة (!). فبحسب سلامة إن «مستوى الفوائد الحالي يعكس مخاطر السوق التي لم ترتفع لتبرّر ارتفاعاً بالفوائد»، فيما يؤكد طربيه أن «تصنيف لبنان مرتبط بتطور وضع المنطقة والحلول التي تدرس اليوم على نار حامية، بالإضافة إلى أداء الحكومة غير الجيد»، لكنه أيضاً لا يتوقع حالياً زيادة في أسعار الفائدة.
لعلّ أبرز المصادر لهذا القلق هو الوضع في المنطقة العربية وخصوصاً في سوريا حيث تبدو الأحداث هناك ذات أثر واسع على الاقتصاد اللبناني، وفق ما يظهر في التقرير السنوي لجمعية مصارف لبنان. هذا التقرير يقول إنه «كان ولا يزال للأحدث السورية انعكاسات سلبية على الاقتصاد اللبناني لا سيما على السياحة والاستثمارات المباشرة وميزان المدفوعات ونموّ الودائع».
ويذكر التقرير أن الصادرات نحو الدول العربية تراجعت في عام 2011 بنسبة 12.7% ولم تزد سوى بنسبة 2.4% في الأشهر الأربعة الأولى من السنة الجارية. «وفي السنة الماضية انخفض عدد السياح بنسبة 24% متأثّراً إلى حدّ كبير بالوضع في سوريا والذي كان له انعكاس كبير على حركة السياحة البرية. واللافت كان تراجع عدد القادمين من الرعايا العرب بنسبة 35%، وبالتالي تراجعت الإيرادات الناتجة من السياحة». الأسوأ أن هذا النمط استمرّ خلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة الجارية فانخفض عدد السياح بنسبة 8%.
أيضاً، تقول جمعية المصارف إن الاستثمارات الأجنبية المباشرة تراجعت بنسبة 20.5% في عام 2011 إلى 3.96 مليار دولار، لأن المستثمرين يفضّلون التريّث في قراراتهم في ظل ما يجري من تغيّرات على الساحة الإقليمية. كذلك، سجّل ميزان المدفوعات عجزاً يبلغ 2 مليار دولار في عام 2011 وسجّل عجزاً ملحوظاً في الأشهر الأربعة الأولى من 2012 بلغ 916 مليون دولار.
وما يشير إليه التقرير، أنه في عام 2011 «تأثّرت نوعية تسليفات المصارف في بعض الدول العربية، ولا سيما في سوريا ومصر، سلباً بالتطورات التي جرت وتجري فيها. لكن المخاطر المتعلّقة بالتسليفات في الداخل بقيت عموماً تحت السيطرة إلى حدّ كبير. لذلك تسعى المصارف إلى تحسين نوعية محفظة القروض لديها والتحوّط».
لكن نتائج عام 2012 قد تكون أقسى من نتائج عام 2011 لجهة النشاط المصرفي، ففي السنة الماضية تباطأ النشاط متأثّراً بالأحداث الداخلية والخارجية بعدما تباطأت وتيرة نمو الودائع والتسليفات.
لكن المخاطر ذات المصدر الخارجي لا تقتصر على تطوّرات الوضع في سوريا والمنطقة، فهناك ايضاً الضغط الأميركي الذي تمارسه وزارة الخزانة الأميركية منذ فترة طويلة سواء على مصرف لبنان أو على جمعية مصارف لبنان. هذه الضغوط التي بدأت مع مندوبي وزارة الخزانة لشؤون الاستخبارات المالية والارهاب، استكملتها سفيرة الولايات المتحدة في لبنان مورا كونيللي أخيراً، مستفسرة عن الحسابات التي تعتقد أنها تعود لحزب الله في البنك اللبناني الكندي ولم تنتقل إلى «سوسيتيه جنرال بنك». وهذا الضغط الذي يشعر به المصرفيون، يعكسه طربيه بديبلوماسية مشيراً إلى أن الإدارة الأميركية تطلب من مصارفها تطبيق أنظمة محدّدة، وبما أن المصارف اللبنانية التي لديها علاقات مراسلة مع المصارف الأميركية عليها أن تلتزم وتتقيد بما تفرضه هذه المصارف المراسلة لأنه لا يمكنها أن تقوم بأي عمليات بالدولار إلا عبرها. ويلفت إلى أن الزيارات الأميركية جاءت «في إطار تشجيع المصارف اللبنانية على الحذر والحيطة في تعاملاتها مع الزبائن، وبالتالي عليها أن تلتزم القرارات الدولية».