كأنّه لا يكفي أن تكرّس الهبات الخارجية بديلاً من واجب الدولة في دعم المدرسة الرسمية وتطبيق قانون إلزامية التعليم ومجانيته حتى سن الخامسة عشرة، وأن ترسو ثقافة الإعانات والمكرمات مكان السير في الحلول الجذرية لأزمة هذا التعليم، فإنّ الهبات نفسها تمر بمخاض طويل ولا تصل إلى صناديق المدارس إلاّ بشق النفس.


الهبة المقدمة من وزارة التنمية الدولية البريطانية لتغطية ثمن الكتب المدرسية للعام الدراسي الماضي (2013 ــ 2014 ) نموذج لهذا التأخير، فالمدارس لم تتسلم حتى الآن قرشاً واحداً منها، رغم مرور قرابة عام واحد على قبول الدولة اللبنانية لهذه الهبة. اليوم، تسأل إدارات المدارس أين أصبحت الأموال ومتى ستصرف، وخصوصاً أنّها دفعت ثمن الكتب من صناديقها. هذه الصناديق لم تنل بالمناسبة أي دفعة من مستحقاتها لهذا العام. فما هي حكاية هذه الهبة؟

هبات بمئات ملايين الدولارات من البنك الدولي وبريطانيا

في 20/2/2014، تلقت رئاسة مجلس الوزراء لمصلحة وزارة التربية هبة بقيمة 8 مليارات و381 مليوناً و700 ألف ليرة، وقد صدرت بمرسوم يحمل الرقم 11067، إلاّ أنّها جاءت مشروطة، إذ استثنت تغطية كتاب الجغرافيا في المرحلة الأساسية، اعتراضاً على تسمية «فلسطين المحتلة» من جانب الجهة المانحة.
وبعد أخذ ورد مع الجهة المانحة ومطالبة بعض الروابط التعليمية يومها بسحب الموافقة على الهبة البريطانية «المهينة»، تمت معالجة المشكلة بأن تموّل المفوضية العليا لشؤون اللاجئين كتاب الجغرافيا. وبناءً عليه، قرر مجلس الوزراء في جلسته في 14/4/2014 تعديل المرسوم المتعلق بالهبة لجهة شطب عبارة «باستثناء كتاب الجغرافيا» وتفويض وزير التربية الياس بوصعب توقيع مذكرة تفاهم بهذا الشأن. ومرّت ستة أشهر قبل أن يصدر قرار عن المدير العام لوزارة المال يحمل الرقم 6597 /2 بتاريخ 1/10/2014، يجيز لمدير الخزينة أن يحوّل ويقيد بموجب سلفة طارئة من حساب الهبات والتبرعات إلى الحساب الخاص المفتوح لدى مصرف لبنان باسم وزارة التربية والتعليم العالي.
يشرح القيّم على السلفة ورئيس قسم المحاسبة في وزارة التربية فادي داغر أنّ الإجراءات الإدارية لفتح الاعتماد ونقل المبلغ أخذت وقتها لأنّه لم تكن هناك مشاريع مماثلة في السابق، لكنها باتت في مراحلها النهائية، وخصوصاً أن الإدارة حضّرت قرارات صرف الهبة وإعطاء المدارس المبالغ التي دفعتها بموجب الفواتير التي سلمتها للوزارة.
ينفي داغر أن يكون هناك أي عائق بعدما صارت الهبة أموالاً عمومية ضمن بنود الموازنة، وستصل إلى صناديق المدارس في كانون الثاني كحد أقصى.
وكانت الجهة المانحة قد أوكلت إحدى الشركات طرفاً ثالثاً للإشراف على الهبة وتقييمها. ويقول مستشار المشتريات في شركة CROWN AGENTS فادي بركات إن هذه الهبة لن تكون يتيمة بل ستفتح على هبات من البنك الدولي والحكومة البريطانية بمئات ملايين الدولارات لدعم القطاع التربوي في السنوات الست المقبلة، ابتداء من العام الدراسي 2015 ــ2016. ولم تعد هناك مشكلة بالنسبة إلى كتاب الجغرافيا، إذ ستتم تغطيته من الحكومة البريطانية مباشرة.
كذلك، تسلك الهبة اليابانية بقيمة 8 ملايين دولار التي تشمل مولدات كهربائية ومنشآت صحية للأولاد المراحل النهائية، بحسب بركات، بعدما تمت الموافقة على نقل الاعتماد من الهيئة العليا للإغاثة لمصلحة وزارة التربية (3 ملايين دولار) ووزارة الصحة (5 ملايين دولار)، وسيصار إلى استصدار مرسوم جديد في مجلس الوزراء.