انفض الاجتماع الـ166 لمنظمة الدول المصدرة للنفط «أوبيك» من دون الوصول الى إجماع يرضي جميع الدول الاعضاء. لا بل إن القرار الذي أبقى سقف الانتاج كما هو من دون أي تغيير قد يدخل المنظمة ككل، ومعها مناطق بعينها من العالم، في كباش «جيوبوليتيك» من نوع جديد. يؤشر هذا الاجتماع الى تسجيل «انتصار» لمجموعة بعينها متمثلة في الدول العربية الخليجية، بزعامة المملكة العربية السعودية، على الثلاثي النفطي روسيا وفنزويلا وإيران في الدرجة الاولى، والجزائر ونيجيريا في الدرجة الثانية.


وهذا ما يمكن لمسه مباشرة عبر تصريح وزير النفط السعودي الذي بدا مزهواً بهذا الإنجاز، واصفاً إياه «بالقرار العظيم». كذلك يمكن ملاحظته عبر التعليقات المرحبة بهذه الخطوة من قبل بعض المحللين السياسيين (بأكثريتهم) الذين يدورون في الفلك الخليجي.
لقد أتى رد السوق سريعاً وبشكل مدوّي، حيث خسر برميل النفط حوالى 5 دولارات في ثلاثة أيام، وليسجل السعر الأدنى (70.8 دولاراً للبرميل) منذ آب 2010. وتشير التوقعات الى احتمال الاستمرار في تدهور الأسعار لتصل الى حدود 65 دولاراً للبرميل، كما توقع وزير النفط العراقي السيد عادل عبد المهدي.
بحسب البيانات التي تتداولها الصحافة العالمية والمنسوبة الى بيانات Deutche bank وطومبسون رويترز، فإن السعر الحالي للبرميل وصل الى ما دون الحد الأدنى الذي اعتمدته السعودية في ميزانيتها، والذي يستقر على 93 دولاراً للبرميل الواحد.

إعادة البحث في أولويات الإقليم ومصالحه الاستراتيجية

وتعتبر إيران من أكثر المتضررين، حيث بني إنفاقها العام على سعر يقارب 135 دولاراً للبرميل الواحد، تليها فنزويلا ونيجيريا (120 دولاراً للبرميل) وروسيا (100 دولار للبرميل). إذاً، بعملية حسابية بسيطة، فإن هذا «السباق نحو الهاوية» سيؤدي الى خسارة الجميع لموارد مهمة لتمويل الإنفاق العام في ظل الضبابية حيال النمو الاقتصادي العالمي، مع تراجع معدلات النمو في الصين ومجمل الاقتصاديات الناشئة. في أكتوبر الماضي حذر مسعود أحمد، المدير المسؤول في صندوق النقد الدولي عن الشرق الاوسط وآسيا الوسطى، من أن الاستمرار في تراجع أسعار النفط سيؤدي الى خسارة الدول الخليجية لحوالى 175 مليار دولار في عام 2015. وإن سيصار الى تغطية هذه الخسائر من الصناديق السيادية التي تتمتع باحتياط هائل من العملات الاجنبية والعوائد المتراكمة. قد تتمتع الدول الخليجية بمناعة أكثر من إيران وروسيا، ويمكنها أن تتحمل أسعار نفط متدنية لفترات زمنية أكثر، إلا أن سؤالاً بسيطاً يطرح نفسه: الى أين سيؤدي هذا المسار بالمنطقة ككل؟
إن الانجرار الى منطق الغالب والمغلوب قد يدفع الأطراف المتضررة الى المزيد من المواقف الدفاعية، خاصة أنها ستدافع عن الأمان المجتمعي الداخلي، وهذا يتعدى منطق الدفاع عن المصالح «الجيوسياسية» ليصل إلى المصالح الوجودية للنظم الحاكمة في كل من هذه الدول. هل من عاقل يمكنه الظن أن الاستسلام للأمر الواقع هو أول الخيارات التي تسلكها الشعوب في مسارات دفاعها عن مصالحها الاستراتيجية؟ إن وجد هذا «العاقل» فلا بد له من إعادة قراءة تاريخ منطقة الشرق الأوسط بتأن.
أمام لعبة ليّ الأذرع التي تدخل المنطقة اليها، لا بد أن يخرج من مكان ما صوت يدعو الى عقلنة الأداء السياسي العام وإعادة البحث في أولويات الإقليم ومصالحه الاستراتيجية، وتجنيب شعوب الإقليم المزيد من الاستنزاف وخسارة فرص التنمية الاقتصادية والبشرية، خاصة أن النزاعات بالواسطة التي تخاض في المنطقة كانت وستبقى خارج الحدود الجغرافية الطبيعية لكل من البلدين، وبالتالي من سيدفع الثمن المباشر لها هو حزام الدولة الفقيرة أصلاً، والتي تعاني من خلل بنيوي في اقتصادياتها ونظمها الاجتماعية. كذلك فإن الثروات المتراكمة في الصناديق السيادية لا بد أن تستعمل في بناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة عوضاً عن استعمالها في تمويل مقاربات لن تؤدي إلا الى أفق مسدود لهذه الأجيال.
لا سبيل أمام القوتين الاقليميتين ( السعودية وإيران) إلا إعادة البحث الجدي في المصالح الاستراتيجية التي ستواجههما على المدى المتوسط والبعيد، في ظل الثورة التي تحدثها اكتشافات النفط الصخري الأميركي وتطور التكنولوجيا المعتمدة لاستخراجه، مع ما سيتركه ذلك من أثر استراتيجي على العوائد النفطية للجميع. بشكل مباشر، ومن دون أي مواربة، على الجميع أن يفهم أن التناحر القائم حالياً لن يؤدي الا الى سيناريو الخاسر – الخاسر وعلى مختلف المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية.