لم تبصر خطّة حماية أحياء مدينة طرابلس النّور، إذ أُجهضت خلال أقلّ من 48 ساعة بعد بروز اعتراضات عليها من جهات أمنية وفاعليات ومواطنين لأسباب مختلفة، ما دفع الجهة المنظّمة لخطة الحماية التي تطلق على نفسها اسم «حرّاس المدينة» إلى إعلان وقف العمل بها. وكان لافتاً للانتباه أنّ إعلان خطّة الحماية جاء بعد أيّام من بدء الجيش اللبناني والقوى الأمنية تنفيذ خطّة أمنية في طرابلس، في 12 كانون الأوّل الجاري، ما أثار تساؤلات عن الخطّة الأمنية الرديفة، وأهدافها، والغايات منها، ومن يقف وراءها.


وكان أعضاء في حركة «حرّاس المدينة»، وهي حركة نشأت على يد ناشطين في المجتمع المدني في طرابلس قبل سنوات قليلة بهدف منع شاحنات النفايات الآتية من خارج المدينة من رمي حمولاتها في مكبّ النّفايات فيها، ثم كان لها دور فاعل إبّان حَرَاك 17 تشرين الأوّل عام 2019، قد أعلنوا نهاية الأسبوع الماضي، بعد سلسلة اجتماعات عقدوها الأسبوع الماضي انتهاء التحضيرات الميدانية لخطّة حماية المناطق والأحياء في مدينة طرابلس، وأنّ البداية ستكون من منطقة أبي سمراء، وأنّه لم يعد ينقصهم إلا بعض الأمور اللوجستية قبل أن يبدأوا العمل بها مطلع الأسبوع الجاري على أبعد تقدير.

وأوضح «حرّاس المدينة» في بوستات عدة نشروها على منصّات مواقع التواصل الاجتماعي أنّهم عقدوا اجتماعات مع تجمّع شباب عائلات أبي سمراء لإطلاعهم على الخطّة بالكامل، وعلى القوانين في ما يتعلق بالمحظور والمسموح، وأوضحوا لهم أنّ الخطّة جاءت بسبب تزايد أعمال النشل والسّرقة والسّطو والاعتداءات، ونبعت من «شعورهم بالمسؤولية تجاه طرابلس وأهلها، وأنّهم قرّروا مواجهة الأمر وإعداد خطّة لحماية طرابلس وشوارعها وأزقتها تبدأ من أبي سمراء وتمتد تباعاً إلى بقية المناطق».

وكشفت حركة «حرّاس المدينة» أنّ أعضاءها الذين سينتشرون ضمن الأحياء والمناطق والأزقة سيكونون من المدنيين، وليسوا مسلحين ولا حتى بالسّلاح الأبيض، وأنّهم لن يكونوا بديلاً من أجهزة الدولة بتاتاً، وأنّهم يتكاملون في خطتهم مع عمل الأجهزة الأمنية، ولفتوا إلى أنّهم تشاوروا مع شرطة بلدية طرابلس ووضعوا معها تفاصيل الخطّة الأمنية التكاملية من الجوانب كافة وأدق التفاصيل، عشية بدء تنفيذ الخطّة الذي كان يفترض أن يكون مطلع الأسبوع الجاري.

هذه الخطة لقيت ترحيباً من قبل بعض المواطنين الذين اعتبروا أنّ طرابلس يلزمها خطّة حماية بسبب غياب الدولة وفلتان الوضع الأمني في المدينة، وأنّ على كلّ منطقة أن تحمي نفسها بنفسها. لكنّ آخرين اعترضوا على الخطة واعتبروها «مشروعاً مشبوهاً»، وسألوا: «ما الذي يمنع أن يتحوّل هؤلاء إلى زعران وقطّاع طرق مع مرور الوقت»، مبدين تخوّفهم من أن «يكون ذلك مقدّمة لتوريط طرابلس في خضّة أمنية يجري تحضيرها»، ومؤكدين أنّهم «لا يريدون سوى أن تفرض الأجهزة الأمنية الرسمية سلطتها في هذا المجال».

تطوّر الأوضاع على هذا النحو دفع مسؤولين في أجهزة أمنية رسمية، وتحديداً في فرع المعلومات التابع لقوى الأمن الداخلي، إلى التواصل مع «حرّاس المدينة»، و«تمنّوا» عليهم، وفق بيان «الحرّاس»، «توقيف الخطّة نهائياً، وصرف النظر عنها، لما فيها من خطر مباشر على شباب الحرّاس وتوريطهم في أحداث هم بغنى عنها، من باب أنّه عندك مئة صاحب ولكن في المقابل عندك ألف عدو ينتظر توريط شباب لهم سمعتهم الطيّبة في طرابلس».

وأوضح الحرّاس في بيانهم أنّ «الخطّة الموضوعة كانت خطّة أمنية تكاملية مع الأجهزة الأمنية الشرعية المولجة حماية طرابلس، وهي ليست أمناً ذاتياً، ولا يمكن أن نستمرّ بها من دون الأجهزة الأمنية الشّرعية، وإلا فقدت صفتها وغايتها وأصبحنا في مكان آخر».

كلّ ذلك دفع «حرّاس المدينة» إلى إعلان وقف «الخطّة الأمنية التكاملية»، معتبرين أنّ «استمرارنا بها من دون مرافقة ومساعدة الأجهزة الأمنية والشرعية يحوّل الخطّة إلى أمن ذاتي، وهذا خارج عن أدبيات حرّاس المدينة وأخلاقهم».