لو عدنا في الزمن سنوات إلى الوراء، لبدت لنا كلمات أغنية «بلا ولا شي» لزياد الرحباني تعبيراً عن حبّ شارف على الانقراض. حبّ نقي، عصيّ على المادة، ومجرّد من «المصاري والليرات والأراضي والمجوهرات». إلا أن الأزمة الاقتصاديّة فرضت هذا الشكل من الحب على الكثير من اللبنانيين، إن كان لا يزال هنالك من مساحة للحب في حياتهم، الذين باتوا مكرَهين على عيش تجارب حبّ خالية من النزعة الاستهلاكية التي صبغت العلاقات بالكثير من المظاهر، وأفقدت الحب، أقلّه بالطريقة التي تصوّرها الأغنية، الكثير من صفائه.

يضحك إيلي عند سؤاله عن تأثير الأزمة على حياته العاطفية مردّداً الجملة الشهيرة: «بلا حب بلا بطيخ، أساساً حق بطيخ بطل معنا. لا أعرف لِم كنا نشكو سابقاً. صحيح أن أي علاقة لا تخلو من مصاريف، وأن المواعدة كانت تستنزف الكثير من الشباب مادياً حتى قبل الأزمة، لكن كنا قادرين على التحرّك بعض الشيء». وعن رأيه بالحب «بلا ولا شي»، يسخر قائلاً: «بجنّن هيك حب، لكن ألا تحتاج أقلّه إلى بعض المال لكي تخرج وتسهر، حتى كزدورة بسيطة صارت تكسر الظهر».

«الحكي عليه جمرك»
هموم العشاق كثيرة ومتشابكة، بحيث يصعب حلّ مشكلة من دون الوقوع في أخرى. فزمن النظرة، فابتسامة، فموعد، فلقاء، ولّى. كلّ خطوة يُحسب لها حساب، والحكي صار عليه جمرك، ولم يعد رخيصاً مع رفع تسعيرة الاتصالات الخلوية وخدمات الإنترنت، حتى أصبح بالإمكان تعديل كلمات أغنية «أنا من أول Allo»، لتصبح «دوّبني وطفّرني الصوت الحلو».


يشير حسين إلى أن «التواصل عن بعد كان يحفظ الحد الأدنى من التقارب بين الطرفين، لكن إذا جمعت كلفة التخابر وخدمة الوايفاي في المنزل والاشتراك في الإنترنت عبر الخلوي فإن المبلغ لن يقلّ عن 500 ألف ليرة شهرياً، إذا كنت متقشّفاً. اشتراك الـwifi وحده يكلفني 300 ألف ليرة وهو إلى ازدياد بشكل متواصل». بناءً عليه تغيّرت آليات التواصل «على سبيل المثال، كنت معتاداً التحدّثَ مع صديقتي عبر تقنية الفيديو يومياً، وخاصة حين أكون خارج المنزل. هذا الأمر توقف كلياً، لأن هذه التقنية تستهلك الكثير من الميغابايتس. أمور بسيطة لكنها مؤثرة».

«يا ريتك جارتي»؟
تاريخياً، كانت العلاقات تنشأ بمعظمها في نطاق جغرافي ضيّق، في القرى والأحياء، وكانت عين الماء ملتقى العشاق، إلى أن بدأت الإناث بالتحرّر تدريجياً من العديد من القيود العائلية والمجتمعية، وباتت الكثير من العلاقات تنشأ في المدارس والجامعات وأماكن العمل، وصولاً إلى زمن الإنترنت، حيث بات بالإمكان التعارف مع أيّ كان ومهما بعدت المسافات، حتى ولو من دولة لدولة.
لكن يبدو أن الارتفاع الهائل في كلفة المحروقات سيعيد الرونق إلى التعارف في النطاق الجغرافي الضيّق، الذي بات من أبرز العوامل التي تحدّد إطار «البحث» للكثير من الشباب. تشير مجموعة من الشباب في مقهى إنترنت إلى أن «المسافة أصبحت عائقاً كبيراً. من كان يسأل سابقاً عن مكان إقامة الفتاة، البنزين كان رخيصاً وكان الواحد يكزدر وين ما بدو وقد ما بدو». أما تحديد المسافة المثالية فصعب ويختلف من شاب لآخر، لكن المعيار الذي يجمع عليه روّاد المقهى أن «المسافة لا يمكن أن تتخطى 20 دقيقة إلى نصف ساعة في السيارة. كنا نكزدر ونسهر ونتعشى ونشرب بأقلّ من سعر تنكة بنزين حالياً».
تقول رشا إنها كانت تقترح على صديقها سابقاً أن «نكتفي بمشوار بسيط في السيارة لكي أوفر عليه كلفة السهرة والعشاء، فما يهمني هو أن ألتقي به ونمضي الوقت معاً. وهذا كان قبل رفع الدعم عن المحروقات. اليوم أخجل أن أطلب منه أن يأتي ولو لكزدروة، خاصة أنني أسكن في الزلقا وهو يسكن في محيط جبيل». وعن الحلول التي يعتمدانها للقاء، تشير إلى أنهما يحاولان اللقاء «في توقيت باكر وقبل حلول المساء للتنقل بالباصات التي تبقى أرخص، وإن ارتفعت كلفتها أيضاً. كنا نسهر مرة أو مرتين في الأسبوع في المطاعم والمقاهي، أما الآن فبالكاد مرة في الشهر».
في هذا الإطار تلفت الدكتورة في علم الاجتماع مارلين نصر إلى أن مشاهداتها ومتابعتها، ولو من دون الاستناد إلى دراسة وبحث معمقين، تبيّنان أن «اللقاءات البسيطة بين العشاق عادت لتلقى رواجاً أكبر، وتحديداً من ضمن الجيرة الواحدة، وفي منازل الأصدقاء والتنزّه على الكورنيش أو في الحدائق العامة المتبقية، أو على الأدراج كما في الجميزة ومار مخايل».

تقاسم الفاتورة
عادات العشاق في المطاعم والمقاهي شهدت بدورها تحولات جذريّة بحكم الارتفاع الكبير في الأسعار. «يكفي احتساب كلفة الترويقة لشخصين لقياس حجم المصيبة» وفقاً لمحمد. «من هذا المنطلق كان علينا التكيّف مع الأمر الواقع، صديقتي وأنا. فبعدما كنا نحرص على تناول العشاء معاً في كلّ مرة نلتقي فيها تقريباً، أصبح كل منا يتعشى في المنزل ونكتفي بمشروب أو اثنين لكلّ واحد كحد أقصى. فكلفة طبقين ومشروبين في مطعم متوسط الكلفة تناهز بسهولة مليون ليرة، وهذا من دون احتساب كلفة البنزين. وراتبي في الأصل لا يتخطى 8 ملايين ليرة».
دراية مسبقة لدى كثيرين لإمكانية أن لا تنتهي العلاقة بالزواج مهما طالت


«واقع جعل من تقاسم الفاتورة القاعدة بعدما كان الاستثناء» بحسب نصر. «فالاتفاق على تقاسم الفاتورة أصبح يتم مسبقاً تفادياً لأي إحراج، وهو ما يساعد الطرفين على الالتقاء بشكل متكرّر». وتكشف رلى أن «الكثير من الشباب في السابق كانوا يعتبرون مسألة دفع الفاتورة شرفية، ولا يرضون بأن تشاركهم الفتاة في الدفع. أما الآن فيمكن تلمّس الفرق من خلال تجارب شخصية وما أسمعه من صديقاتي، حيث لم يعد الشباب يشعرون بالحرج من طرح فكرة تشارك الفاتورة وهو ما لا أرضاه في الأساس».

نهايات غير سعيدة
مؤشرات تزيد حكماً من صعوبة الإقبال على الزواج، خاصة أن التعارف بات شبه مستحيل للكثيرين، أو حتى الصمود في علاقات قائمة. توضح نصر أن «العديد من العلاقات انتهت جرّاء الأزمة، وهنالك من فرضت عليهم الهجرة المتزايدة الافتراق. وفيما كان الاقتراض من المصارف سابقاً يسهّل الأمور، أو حتى المساعدة المادية من الأهل أقلّه للانطلاق، فإن المصارف انهارت والقروض توقفت وقدرة الأهالي على الدعم تبخّرت بحكم خسارتهم لودائعهم وانهيار قيمة مخصصات تقاعدهم وتعويضات نهاية الخدمة». واللافت بالنسبة إلى نصر هو «أن المواعدة كانت تُعدّ خطوة أساسية نحو الزواج، لكن وبسبب الظروف التي نعيشها فقد أصبح هنالك نوع من دراية مسبقة لدى الكثيرين، وتقبّل لفكرة ألا تؤدي العلاقة إلى زواج مهما طالت».
كما تلفت نصر إلى أمر آخر، وهو الأثر السلبي الذي يمكن أن تلحقه الأزمة بالفتيات اللواتي اكتسبن خلال العقود الماضية الكثير من الاستقلالية المهنية والعاطفية، وبتن اليوم مهدّدات مع ارتفاع معدلات البطالة وصعوبة تحمل مصاريف المدارس والجامعات، ما قد يعزّز من جديد من ظاهرة تزويج القاصرات، أو يدفع بالكثيرات إلى الهرب نحو علاقات سهلة هرباً من الضائقة المادية.