«إجت الكهربا» يهتف ابن مختار ببنين، فتنفضّ الجلسة ويركض كلّ نحو منزله ليزفّ الخبر لعائلته. بعد دقائق، تُسمع أصوات الزغاريد متشابكة مع أصوات مولّدات الماء، ترحيباً بالكهرباء الغائبة عن عكار منذ ما يزيد عن ثلاثة أشهر.

هذا المشهد ليس تفصيلاً في البلدة المتربعة على طول شاطئ العبدة البحري في قضاء عكار، وصاحبة الشهرة الأوسع في عالم التهريب عبر البحر حتى باتت اليوم مقصداً لكلّ من يريد الهجرة، علماً أنّ أبناءها لم يكونوا من الناشطين في التهريب سابقاً. إذ لطالما كان التهريب حكراً على أبناء المناطق الحدودية، كوادي خالد وفنيدق... لتتحوّل الأنظار اليوم نحو ببنين.

معاناة الصيادين
يستنكر صلاح (70 عاماً)، صياد سمك، السمعة التي باتت تلصق بأبناء البلدة «مش إذا في كم واحد أزعر ومهرّب يعني كلنا زعران، ولكن للأسف السمعة السيئة تسبق دائماً السمعة الطيبة». مؤكد أن «أكبر مركز تهريب هو مرفأ الصيادين في الميناء، من هناك يحاول المهرّب شراء مركب، يخرج به فارغاً بكل هدوء، متخطياً الحاجز الأمني، يتوقف بعدها في محطات عديدة تصل إليه بعض المراكب الصغيرة المحمّلة بالمهاجرين والتي قد تكون انطلقت من المنية أو القلمون في طرابلس».
فيما يشكو زميله عبد الرحمن من الضرر الذي وقع عليهم بسبب عمليات التهريب «نحن نعمل في الصيد ليلاً، على ضوء اللوكس (ضوء يعمل على الكاز). نقتات من عملنا اليومي، إذا اشتغلنا مناكل، وإذا لم نشتغل نبقى بلا أكل، لكننا بتنا نجد صعوبة في عملنا بسبب التشدّد الأمني الذي يُمارس علينا كأصحاب مراكب، علماً أن في ببنين 50 ألف نسمة نصفهم يعتاشون من رزقة البحر». يؤكد صلاح كلام زميله، شاكياً بدوره تحوّلهم إلى «ضحية طمع المهرّبين وجشعهم...».
يرفض محمد (46 عاماً) ما يشاع عن تحوّل صيادي ببنين إلى مهرّبي بشر، «الذين يعملون في التهريب لا علاقة لهم بالبحر. كانوا وما زالوا يعملون بالتهريب، هم معروفون، عملوا في تهريب المخدرات والسلاح والدخان، واليوم يعملون في تهريب البشر». ويشرح محمد كيف تقسّم أدوار العصابات، بين المموّل، والمشغل والسمسار وباقي الأشخاص تفاصيل، وغالباً ما يكون وراء هؤلاء جهات سياسية تدعمهم، ويتمتعون بحصانة أمنية وقضائية، رافضاً الكشف عن أسمائهم «خلّيها تطلع عن لسان حدا غيري».

المهرّبون بالأسماء
بالفعل يتطوّع أحدهم للتسمية، مؤكداً أن عصابات التهريب باتت معروفة «الدولة بتعرفهم كلهم» يقول، مؤكداً ضرورة تسميتهم لـ»التشهير بهم ووضع حد لأطماعهم»، ثم يبدأ بعدّ أسماء كثيرة، لا يسع «الأخبار» نشرها، لكنها توضح بأن الأمر تحول إلى «بزنس عائلي».
كثرة الحديث عن المهرّبين تدفع إلى السؤال عن «ربّ التهريب» في البلدة، كما يصفه أكثر من شخص. هو ديب أويظة الذي كان العدو الصهيوني قد اعتقله عام 2000، وأُفرج عنه في عملية تبادل الأسرى التي تمت في 29 كانون الثاني 2004.
في حي الروضة في البلدة القديمة منزل متواضع، تفتح بابه سيدة غزت التجاعيد وجهها. إنها زوجته. نسأل عنه فتجيب «غير موجود». كما أنهّا لا تعرف رقم هاتفه «صار إلنا زمن ما شفناه» تقول، وهي تغلق الباب.
أمام منزل ديب، يوجد مركب أكل الدهر عليه وشرب اسمه «حرب» ويحمل الرقم 2379 ط. يقول أحد أبناء البلدة: «ديب تقاعد كما تقاعد هذا المركب»، فيما يدلّ البعض إلى منزل ابنه محمد، المكسوّة جدرانه بالحجر الطبيعي ما يعكس مظاهر الثراء. يؤكد أحد الجيران: «لا يزورون البلدة. صاروا فوق الريح وباتوا يملكون الكثير من البيوت والعقارات الموزّعة بين مناطق عكار».

المرّ... والأمرّ منه
في دار مختار ببنين، علي الرشيدي، يجتمع عدد من أبناء البلدة. ما إن تبادر إلى السؤال عما يجري عندهم حتى يعرب كلّ منهم عن رغبته في الحديث. إلا أنّ الحوار الذي يدور بين المختار ومصطفى (60 عاماً) يترك الوقع الأكبر. يبدأ المختار بالتعليق «ما جابرنا على المرّ إلا الأمرّ منه»، فيما يحمّل مصطفى الدولة مسؤولية ما وصلوا إليه. يقاطعه المختار سريعاً، وهو يوزّع قهوته على الحاضرين «مش مظبوط. الدولة لا تجبرك أن تصعد إلى المركب وتذهب للموت في البحر. لا شك أن الوضع الاقتصادي والطبي يخنقنا. وبتنا نجمع المال من الأوادم لنخرج مريضاً من المستشفى، لكن هذا لا يعني أن نستسلم ونرمي أنفسنا في عتمة البحر».

الذين يعملون في التهريب لا علاقة لهم بالبحر. كانوا وما زالوا يعملون بالتهريب


يرفض مصطفى «عقلانية» المختار، مؤكداً أنه يتمنى لو يحجز لابنه (20 سنة) في مركب ليسافر في البحر، ويؤمن مستقبله «عندي 700 متر أرض، ورثتها عن أبي وأنا مستعدّ لبيعها كي يسافر». يقترح عليه المختار أن يعلّمه بثمن الأرض «وبعدها يسافر بالطرق الشرعية، أحسن ما يموت بالبحر»، فيجيب مصطفى بسخرية «الله كاتبلهم الموت هون وبالبحر... بالعكس بالبحر بروح شهيد».
ما يقوله الأب، يتردّد على لسان أحد الشبّان الذي كان جالساً مع عدد من رفاقه على أحد الأرصفة. يقول «أتعب ثماني ساعات في النهار مقابل 100 ألف ليرة. هذه ليست حالة». أحمد (26 عاماً) الذي كان يعمل في ورشة نجارة تملكها عائلته، بات اليوم بلا عمل بسبب غياب الطلب «نفسي تحدّثني أن أهاجر... سأفعلها حتماً سأفعلها، ربما أنجح».



رحلات بملايين الدولارات
في وقت عملت عصابات التهريب على تطوير قدراتها ونفوذها، إلا أنها لم تفعل شيئاً لتطوير أدوات التهريب. فالمراكب لا تصلح حتى للصيد في المياه القريبة، بل إن هناك معلومات عن نقص شديد في المراكب، وإنّ المهرّبين باتوا يشترون أو يستعيرون مراكب من نظرائهم السوريين في مقابل مبالغ مرتفعة، إذ يُشترى مركب الصيد من سوريا بنحو 40 ألف دولار، فيما يُستأجر بـ10 آلاف دولار للرحلة الواحدة، مع رهن ثمنه كاملاً لحين عودته سالماً. ويجني المهرّبون من كلّ رحلة تحمل بين 130 و200 راكب أكثر من 300 ألف دولار، فلكلّ راكب تسعيرته؛ هناك ثمن للصغير وآخر للكبير، مثلما هناك ثمن للعوائل وللفرد الواحد.
يتقاسم عملية التهريب أكثر من شخص، بدءاً من المموّل الذي يستثمر أمواله في الربح السريع، «مئة ألف دولار بتصير مليون دولار بشهر، وغالباً ما يكون بعيداً من الواجهة» يوضح أحد المطلعين. أما المشغّل فهو «دينامو» الرحلة، يبدأ عمله من شراء المركب، مروراً ببقية التفاصيل مثل تأمين الـgps وهاتف ثريا وسترات نجاة، بالإضافة إلى مياه الشرب ووجبات الطعام (قرابة 39 ألف دولار) كذلك عليه تأمين المازوت، إذ تحتاج الرحلة عادة إلى 5 أطنان تصل كلفتها إلى 6 آلاف دولار. وعلى المهرّب أيضاً اختيار نقطة لانطلاق المركب، وغالباً ما يتم دفع مبالغ لأصحاب الأرض تتراوح بين 30 و50 ألف دولار أميركي. وهذا يعني أن تكلفة كلّ الرحلة لا تتخطى الـ150 ألف دولار، فيما يتراوح الربح الصافي بين 300 و400 ألف دولار.


60 مركباً غادرت لبنان؟
لا إحصاء رسمياً يؤكد عدد المراكب التي أبحرت، كما لا يوجد إحصاء رسمي لتلك التي تم إحباط رحلاتها من قبل الجيش اللبناني. إلا أن مصادر غير رسمية تشير إلى تمكن 60 مركباً من مغادرة لبنان عام 2021 - 2022، 6 منها علقت في اليونان، و5 في تركيا ومنها من أعيد ترحيل ركابها إلى لبنان. وتمكن قرابة 30 مركباً من الوصول إلى إيطاليا، فيما كان الغرق مصير سبعة مراكب. ووفقاً للأمم المتحدة، فقد غادر لبنان ما لا يقلّ عن 38 زورقاً تحمل أكثر من 1500 شخص عن طريق البحر في الفترة الممتدة بين كانون الثاني وتشرين الثاني 2021.