دشّن عدد من الجمعيات المحلية مساراً للسياحة البيئية في جرد عكار برعاية من السويد. مسار يشمل غابة العذر وغابات حرار وفنيدق والقموعة وما بينها من مبادرات فردية في بيوت الضيافة والمطاعم. لكن كيف السبيل إلى جرد عكار؟

كـ»شحطة قلم»، يبدو الحدّ الفاصل بين طرابلس والبداوي. ينتهي الأوتوستراد الحديث عند نهاية الجسر قبالة منشآت النفط. تُستبدل المباني الحديثة بمحال وأكشاك وعربات على طريق المنية الدولي. وعلى نحو مفاجئ، تستدير الحافلة السياحية نحو جرد عكار. كانت كلما صعدت، تقهقرت الحداثة ليصبح الزائر بقصد السياحة، في مواجهة حرجة مع عكار المحرومة. لا تسلك الحافلة بسهولة الطرقات بين البلدات المنسية. شوارع ضيقة مرّت على تعبيدها عقود طويلة. من قبعيت إلى مشمش، يستعين السائق بالمواطنين لتسهيل المرور في الشوارع المستوية وعند المنعطفات على السواء. أحد أبناء المنطقة لفت إلى أن هذه الطريق «دولية بين عكار والهرمل وسوريا، تسلكها الشاحنات والحافلات من دون وجود خطة لتأهيلها وتوسعتها».

أهمية الاستثمار المحلي
لا تملّ باسكال بوتس من طمأنة الركاب إلى أن «جرد عكار يستحق تحمّل مشقة الطريق وطول المسافة من بيروت». الناشطة في مجموعة My amazing Lebanon، إحدى مؤسّسات المسار ليست شمالية، لكنها تأسف لـ»التضليل الذي يمارَس ضد الشمال عموماً وعكار خصوصاً». تشير إلى أن أقرباءها في الخارج «استغربوا زياراتي المتكرّرة لعكار. كانوا يظنّون بأنها آخر الدنيا، ليس في بعدها عن العاصمة فقط، بل أيضاً في افتقارها إلى الخدمات، ولاتهامات التشدّد التي تشاع عن أبناء المنطقة». تنادت مع ناشطين وجمعيات «لرفع الظلم عن عكار. وبمساعدة اتحاد البلديات السويدية، جرى تنفيذ مشاريع تنموية عدة لدعم السياحة والأشغال التراثية والمهن الحرفية ولا سيما للنساء».
قام المسار على جهود كلّ من Salar وReslog السويدية وجمعيتَيْ «قرية» و»حرفة وألفة»، بالتعاون مع بلدية فنيدق واتحاد بلديات جرد القيطع، الذين يدعمون العاملين في مجال السياحة والبيئة. حسين وأسرته المتخصصون بصنع المونة البلدية، وآخرون افتتحوا مطاعم صغيرة وبيوت ضيافة.
يدرك القيّمون أن المسار لا يستمر سوى بالاستثمارات المحلية في الموارد الطبيعية والبشرية. أبرز المستثمرين في تلك الموارد فريق «اكتشف عكار» الذي يتولى مهمة الدليل السياحي وتنظيم مسارات مشي. يستميت عبد القادر عبد المجيد في استعراض مميزات منطقته أمام الزوار الذين وطئ معظمهم أرض عكار للمرة الأولى.
هنا في القموعة عند سفح جبال الهرمل، ينتشر شجر اللزّاب المعمّر، وما بينهما في النبي خالد، تصمد شجرتا عذر عمرها يزيد عن 2300 عام. يقول عبد المجيد إن ناحية من جرد القموعة مسمى بـ»العين الفرنساوي» لأن الإنكليز والفرنسيين كانوا خلال الحرب العالمية الثانية يقطعون الشجر من هنا لاستخدام خشبه في صنع سكة القطار الإنكليزي بين اللاذقية وحيفا، مروراً ببيروت.

مزارع الغابات
يظنّ البعض بأن إهمال عكار كما غيرها من الأطراف، وما تلاه من نزوح وهجرة كثيفين لسكانها، ساهمت في الحفاظ على مواردها الطبيعية والحيوانية. بدلاً من البشر الذين نزحوا، يسرح طائر الكيخم فوق غابات اللزاب، يأكل بذرها المرّ ثم يرميه في ناحية أخرى، فتنمو شجرة جديدة. أما السنجاب، فينتقل بين الشوح الكيليكي وأشجار الجوز والسنديان والصنوبر. يقول الدليل السياحي أحمد أيوبي من الفريق نفسه إن قلة السكان والزوار سمحت بحرية حركة لافتة للسنجاب الذي يسمّيه أهل المنطقة بـ»مزارع الغابات». حافظ السنجاب على غابة الجوز في فنيدق التي تعود إلى أكثر من 150 عاماً. كانت تسمى «جوز الدورة» لأن محصولها يدور على المنازل ويوزّع بالتساوي بين أهاليها الذين يتشاركون بقطاف المواسم.
لا يخفي بعض الناشطين خشيتهم من الإقبال العشوائي على غابات جرد عكار. في السنوات الأخيرة، سُجّلت حرائق ضخمة في غابات القموعة وفنيدق وحرار، تبيّن أنها مفتعلة.
يلفت عبد المجيد إلى أن حماية الغطاء الأخضر والتوعية على الحفاظ عليه مردّهما في الغالب إلى جهود فردية. «عام 1992، تم تصنيف الجرد منطقة سياحية من دون تطبيق القرار. وفي عام 1994، صدر مرسوم جمهوري بإعلان القموعة محمية طبيعية. وفي وقت لاحق، أعلنت بلدية فنيدق غابة العذر محمية».

تنمية المنطقة
ورش صنع بيوت ضيافة من الخشب في القموعة وفنيدق، لا تزال في بداياتها. استثمار ناشئ يلقى رواجاً بين المقتدرين من أبناء المنطقة، تقابله أنشطة سياحية متواضعة في سهل القموعة تلبي حاجة السكان وقدرتهم، لكنها قد لا تكفي الزوار والسياح. «الجميع يسعى إلى تطوير قدراته» تقول ثريا حمود الناشطة ضمن برنامج
Reslog إن النساء يقمن بدور رئيسيّ في تنمية المنطقة.

بيوت الضيافة استثمار ناشئ يلقى رواجاً يقابله أنشطة سياحية متواضعة


في غابة العذر، عرض عدد من النساء المستفيدات من مشروع التدريب على صنع الهدايا والتذكارات وتسويقها، من خربة داود والبيرة والكواشرة والقيطع وحرار وبيت أيوب وفنيدق، أشغالهنّ. منهنّ غزوة العلي وقريبتاها رويدة وأمينة حسن من الكواشرة، اللواتي يصنعن السلال والسجاد اليدوي. من النهر الكبير، كن يحصدن أعشاب «الحلفا» التي تنمو على ضفاف الأنهر. وتعلّمن من أهاليهن صنع بعض أثاث البيت والأواني منها و»التواريح» أي الشباك التي يرميها الصيادون لجمع السمك من النهر الكبير. الأزمة السورية منعتهن من الاقتراب من النهر الحدودي، فوجدن «الحلفا» عند ضفاف نهر منجز. «هلق كلو راكض ورا رزقتو» تقول غزوة، في تعليقها على كسر التقاليد المتشدّدة ضد عمل النساء.
ظلمت الأزمة الاقتصادية صحوة العكاريين للترويج لجمال منطقتهم. لكن رزان إبراهيم تبرّر الصحوة المتأخرة لـ»الحملة الممنهجة ضدنا. عانينا على أكثر من صعيد. من التحريض ضدنا بتهم التشدّد والإرهاب والتخلّف إلى الأحداث الأمنية. وما بينهما سوء المرافق العامة وغياب الخدمات. تعلّمت في جامعة في محيط طرابلس، كنت يومياً أمضي على الطرقات ثلاث ساعات في أحسن الأحوال لأصل إلى جامعتي، هذا إن لم تكن مقطوعة بسبب الاحتجاجات الشعبية أو المداهمات الأمنية».