منذ عامين، تعيش بلدية بيروت أسوأ أزماتها. باتت أشبه بحقيبة وزارية خدماتية، لكن من دون خدمات. لا مياه، ولا صرف صحي، ولا تشجير، ولا صيانة طرق، ولا شيء على الإطلاق. كلّ ما يمكن أن نطلق عليه خدمات بلدية أساسية أصبح ترفاً في العاصمة، واستحال المجلس البلدي صندوقاً لشكاوى «البيارتة».

بات أقصى الطموحات في بيروت رفع النفايات من الشوارع، أو تشحيل اليباس من الوسطيات، أو ترقيع الحفر. طموحات، لأن تنفيذها يفوق قدرة البلدية التي لطالما أوكلت مهامها لمتعهدي القطاع الخاص، فوجدت نفسها فجأة وحيدة بعدما تركها هؤلاء.
لم تحسب بلدية بيروت حساباً للمستقبل، ولذلك عندما أجبرت على مواجهة الأزمات، أعلنت عجزها. فهي لا تملك شيئاً. «حرفياً، لا شيء»، هذا ما تقوله المصادر في البلدية. وقد برز هذا الأمر بشكلٍ فاضح عقب انفجار الرابع من آب، إذ لم تجد البلدية، ولا المحافظة، ما يمكن أن تستعينا به لمواجهة الكارثة التي حلّت على حين غفلة. ماذا يمكن أن تكون أبسط تلك الأشياء؟ معول؟ جرافة؟ ونش؟ كلّها معدات غير موجودة. لذلك، لم يكن أمام المعنيين في هذه السّلطة المحلية سوى اللجوء إلى المساعدات واستئجار الآليات والعناصر حتى، للمساعدة في رفع الركام والبحث عن الجرحى والشهداء… وسار بعدها العمل بالهبات. مع ذلك، لا شيء يدعو للاستغراب، فما وصلت إليه البلدية مربوط بمسارٍ طويل بدأ منذ عام 1992، عندما قامت أولى البلديات بعد الحرب واعتمدت سياسة المناقصات، موكلة إدارتها للتجار والمنتفعين. تلازم ذلك «مع غياب الرؤيا وترتيب الأولويات»، بحسب أحد نواب المنطقة. هكذا، مجلس تلو الآخر، استحالت بلدية بيروت إلى بلدية «للمتعهدين» الذين يمكن لأصابع اليد الواحدة أن تحصيهم… وإن كان أشهرهم «جهاد العرب»، والبقية يأتمرون بأمره.

العمل بـ«السلف»
لم تطوّر بلدية بيروت إمكاناتها الذاتية، وتحوّل عمل كلّ الدوائر التي تُعنى بالصيانة والأشغال فيها إلى ما يشبه مكتب البريد، تكتب التقارير وترفع إلى مصلحة الهندسة. هذا الاعتماد المفرط على المتعهدين أدى إلى الفضائح التي تتالت بفعل الأزمة المالية الأخيرة، وإن لم تشكل وحدها سبباً للعجز الذي يحاصر البلدية، خصوصاً أن الأزمة تطال كلّ البلديات. الأخيرة أيضاً لا تتحمّل سبب كلّ المشكلات، رغم أنها أدّت إلى خسارة البلدية أموالها المحتجزة في المصارف بعدما فقدت الكثير من قيمتها. يكمن السبب الأساسي في الفساد وفي سوء الإدارة والسياسة التي اتبعها كلّ من مرّ في المجلس، رئيساً وأعضاءً، «إذ كان يجري التعامل مع العمل البلدي من باب الانتفاع وليس الخدمة العامة» بحسب أحد المتابعين.
اليوم، تعمل البلدية بقوة «السِلَف» التي لا تتخطى قيمة الواحدة منها الخمسين مليون ليرة لبنانية، تُصرف غبّ الطلب لتلبية خدمات طارئة. مناقصة مصغّرة لا تستغرق الكثير من الوقت، على شاكلة ما كان يجري سابقاً. وثمة سببان لهذا الأمر، أوّلهما أن «البلدية لا تملك ترف الوقت، إذ إن أي مناقصة كبرى تحتاج إلى ستة أشهرٍ كي ترسو على أحد العارضين، وما يلي ذلك من استلام وتنفيذ وغيرها». وثانيهما أن «معظم المتعهدين لا مصلحة لديهم في استلام مشاريع من البلدية بالعملة الوطنية». أثّر هذا الأمر على تنفيذ المشاريع الكبرى: ما كان قائماً منها توقف العمل به، وما كان ممكناً التفكير بتنفيذه ألغي تماماً. هكذا، ترسو اليوم المناقصات الصغيرة على أعمالٍ كانت تعدّ بديهية وجانبية، كتعزيل المجاري الصحية أو التشحيل أو تزفيت الحفر في الطرقات. هذا أقصى ما باتت تقوم به البلدية.

مسار من التنفيعات
هذه البلدية هي نفسها التي كانت تملك سابقاً 1200 مليار ليرة لبنانية، أي ما يعادل 800 مليون دولار أميركي. مبلغ «كان سبباً في الوصول إلى هنا»، بحسب المصادر، وخصوصاً في ما يتعلق بالتلزيمات - التنفيعات التي كانت تسير في العادة بالتواطؤ ما بين المتعهد وبين ممثلي المجلس البلدي.
المسار الذي سلكته البلدية في تلك التلزيمات كفيل بالإجابة على ما حدث. ويمكن أن نبدأ بالمشروع الذي ما زال مفتوحاً حتى اليوم: حديقة المفتي حسن خالد التي كلّفت البلدية ستة ملايين دولار مقابل بناء مرآب تحت الحديقة. اليوم، بعد الملايين الستة، يُعاد بناء الحديقة من دون المرآب!

تفاوت كبير في كلفة المشاريع بين ما قبل الأزمة وما بعدها


من حديقة المفتي، ننتقل إلى جسر سليم سلام الذي كلّف «تبليط» جدرانه 17 مليون دولار، مروراً بالـ40 مليون دولار التي دفعتها بلدية بيروت (المجلس السابق) لقاء قطعة أرضٍ في منطقة الشياح لتوسيع سوق الخضار، لا تملك خريطة لها ولا تعرف من يشغلها، وصولاً إلى مبلغ المليوني دولار أميركي الذي أعطته إلى جمعية «لا تبغي الربح» لتزيين شجرة ميلاد، مرمية اليوم في بورة للحديد، وليس انتهاء بـ«حفلة» تشجيرٍ سنوية بقيمة خمسة ملايين دولار.
إلى هذه المشاريع، يضاف ما يمكن تسميته بالخدمات العادية التي كانت «تكلّف البلدية سنوياً 83 مليار ليرة ما قبل الأزمة المالية، أي ما يقرب من 55 مليون دولار أميركي». والمفارقة، أنه خلال سنتين من عمر الأزمة، صرفت البلدية على تلك الخدمات «خمسة مليارات ليرة لبنانية» أي ما يعادل 250 ألف دولار أميركي، في حال احتسبت على أساس دولار 20 ألف ليرة لبنانية كمعدّل وسطي.

ما قبل الأزمة وما بعدها
في مقارنة بسيطة بين مصاريف ما قبل الأزمة وما بعدها، يمكن العودة إلى نموذجين عن كيفية تعاطي المجلس البلدي مع «مغارة علي بابا»، وهما صيانة الطرق وتنظيف المجلس البلدي. في الشق الأول، تكشف أرقام حصلت عليها «الأخبار» أن ما صُرف في العامَين 2021 و2022 على صيانة الطرق، مع ما تتضمنه من تنظيف للمجاري وتسكير الحفر وغيرها ، بلغت قيمته 113 ألف دولار أميركي. الأعمال نفسها كانت تكلّف «في عام 2015 ما قيمته 19 مليون دولار أميركي، و9 ملايين دولار في عام 2016، و32 مليون دولار في عام 2017، و15 مليون دولار في عام 2018»… من دون احتساب «الكسور» التي تبلغ الملايين من الدولارات.
أما تنظيف المجلس البلدي، فكانت تكلفته في سنة ما قبل الأزمة تبلغ سنوياً «957 مليون ليرة، أي حوالى 630 ألف دولار »، فيما «كلف العام الماضي 200 مليون ليرة، أي بحدود 10 آلاف دولار إذا ما أخذنا في الاعتبار أنّ سعر صرف الدولار 20 ألف ليرة» تقول مصادر مطلّعة.
أكثر من ذلك؟ تعزيل المجاري، التي تقع ضمن بند صيانة الطرقات والتي كانت تكلف بحسابات وسطية 4 مليارات دولار سنوياً (7 مليارات ليرة وكسور)، كلّفت «العام الماضي مليار ونصف المليار بالليرة اللبنانية».
اليوم، خسرت بلدية بيروت أموالها في المصارف وخسرت بالتوازي «وارداتها بنسبة 20 مرة، فيما زادت نفقاتها 20 مرة تحت ضغط سقوط الليرة وانهيار سعر الصرف». الثابت الوحيد هو أن التعاطي معها لم يختلف: إما أن تكون باباً للاستفادة، أو لا تكون.