لم يسمع العالم بفيروس «جدري القرود» منذ العام 2003 الذي كان قد سجّل آخر انتشار له في الولايات المتحدة، ليعود اليوم مع تسجيل عشرات الحالات في أوروبا وبعض دول شرق آسيا مذكراً إيانا بالأخبار التي كانت تردنا مع بدايات انتشار جائحة «كوفيد19»، والتي لم تعلن منظمة الصحة العالمية نهايتها حتى اليوم.


ما هو هذا الفيروس الجديد- القديم، الذي يخطف أضواء الإعلام حول العالم اليوم؟

فيروس يعود إلى 1970
فيروس «جدري القرود» سبق أن انتشر أكثر من مرة خلال القرن الماضي بعد تسجيل أول حالة إصابة به في العام 1970 في الكونغو، ثمّ رُصد في أكثر من بلد إفريقي استوائي، تحديداً في الغابات الرطبة والمطرية عند أشخاص لهم اتصال مباشر مع القرود، سواء كان لناحية استهلاك لحومها كطعام أو ربما العيش في أماكن مشتركة في الغابات. أما انتشاره اليوم فكان متوقعاً مع العودة إلى تخفيف الإجراءات الخاصة بالتباعد الاجتماعي لأنّه كان سبق وظهر في المملكة المتحدة عام 2019 وفي الولايات المتحدة عام 2021 لدى أشخاص قادمين من إفريقيا.

اللقاحات موجودة
ينتمي هذا الفيروس لعائلة poxviruses نفسها التي يأتي منها فيروس الجدري smallpox الذي تمّ القضاء عليه منذ سنوات بعيدة بسبب اللقاحات الإلزامية ما يفتح نافذة مريحة «كي لا نهلع» كون هذه اللقاحات ما زالت فعّالة ضدّ هذا الفيروس أيضاً بنسب عالية، وما يزيد من فعاليتها هي طبيعة الفيروس غير المتحوّرة بشكل كبير مثل فيروس كورونا أو الإنفلوانزا. ولكن القفزات الفيروسية من الحيوانات للبشر ومن ثمّ بين البشر ستستمرّ ما دام هناك علاقة قريبة معها لا سيّما في حدائق الحيوانات وعيادات البياطرة والتي تعدّ الآن من الأماكن المشتبه فيها بنقلها للفيروس بشكل أوّلي للبشر، من دون أن نتمكّن من تأكيد هذه المعلومة لأنّ فيروس «جدري القرود» قد تحمله حيوانات أخرى مثل السناجب والفئران (القوارض).

أمّا الانتقال بين البشر فيحتاج إلى اتصال مباشر مع سوائل جسم المصاب أو إفرازات الجهاز التنفسي من قطرات المياه التي تخرج بسبب العطس أو السعال، إذ يتسلّل الفيروس عبر العين أو الأنف أو الحلق، ولا ينتشر بسهولة كفيروس كورونا بمتحوّراته الكثيرة، وعليه يمكن الافتراض أنّنا لن نكون أمام جائحة جديدة، فطرق الانتقال تضيّق دائرة الخطر لتجعلها حول العاملين بالشأن الصحي أو من يقدّم الرعاية المباشرة للمرضى.

العوارض والعلاجات
عواض الإصابة مشابهة لتلك الخاصة بالجدري تبدأ بالصداع، الحرارة المرتفعة، ألم العضلات بالإضافة إلى انتفاخ الغدد اللمفاوية. ويعتبر هذا العارض الأخير الدليل الأبرز على أنّ الإصابة هي بـ«جدري القرود»، ومن بعدها يبدأ الحكاك والطفح الجلدي (على شكل بثرات) تتركز في منطقة الوجه والبطن وتستمر لما يتراوح بين الـ 15 و30 يوماً قد تكون شديدة على الأطفال وخاصة منهم من تعرّض لتركيز كبير من الحمل الفيروسي.
حتى الآن لا يوجد أدوية مباشرة مضادة لهذا الفيروس بل يقتصر الأمر على علاج العوارض لناحية استعمال الأدوية المسكنة والخافضة للحرارة مع ضرورة أخذ الحذر من الالتهابات الجانبية الأخرى التي تسببها البكتيريا بسبب إشغال النظام المناعي في الجسم بالتصدي للفيروس.

طرق السيطرة والوقاية
الإجراءات المتبعة في مكافحة جائحة كورونا مفيدة جداً من غسل اليدين وتعقيم الأسطح ويمكن أن نضيف إليها تجنّب الاحتكاك مع الحيوانات وخصوصاً القوارض بالإضافة لضرورة عزل المصاب وتتبع المخالطين وعدم مشاركة الملابس أو الأغراض الخاصة كالمناشف.

إشارات مطمئنة وأخرى مقلقة
أغلب حالات الإصابة ذات عوارض خفيفة تختفي تلقائياً مع تعافي جسم المريض، ولكن لا بدّ من الإشارة إلى أنّ نسبة انتقال المرض بين البشر ارتفعت خلال السنوات الماضية بسبب توجه جزء من الناس لعدم أخذ اللقاحات الخاصة بالجُدري بسبب سيطرة الأفكار الخاطئة المضادة للتلقيح antivax وهذا ما سيضعهم أمام خطر الإصابة الشديدة أو المميتة ربما وخاصة أطفالهم وهو ما يثير القلق.
والمطمئن أنّ هذا المرض ليس كوفيد-19 الجديد كلياً وله لقاحات خاصة مرخصة موجودة في سوق الدواء العالمي منذ العام 2019 ولقاح الجدري يوفر حماية تصل إلى 85% بحسب منظمة الصحة العالمية والمجتمع اللبناني يخضع منذ وقت ليس بقصير لسياسة إلزامية اللقاحات ومنها لقاح الجدري ما يجعل أي إصابة في حال حصلت خفيفة إلى متوسطة.

أخيراً لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الدراسات ما زالت في بدايتها، وحتى اليوم تراكم الإصابات في دول أوروبا غير مفهوم، وقد يشير إلى إمكانية تحوّر الفيروس ما رفع من قدرته على الانتشار.