«سردية» النفايات في لبنان تُختصر، دائماً، بـ«الزبالة» المكدسة على الطرقات وفي «القدرة الاستيعابية» للمكبات والمطامر، من دون أن تتطرق إلى النفايات الطبية، رغم أن هذه أخطر أنواع النفايات، وهي «ملزّمة» للغياب وللتقاعس الرسمي عن إعداد أي خطة تعفي من مخاطرها المحتملة. إذ يُترك أمر معالجتها لبعض المستشفيات الجامعية الكبرى وللجمعيات، ومنها جمعية «آركنسيال» (arc en ciel) التي تجمع 85% منها.

وقد واجهت «آركنسيال»، أخيراً، أزمة في فرم النفايات الطبية وتعقيمها في مراكزها بسبب الأكلاف التي فرضتها أزمة انهيار الليرة، إذ إن 40% من الأكلاف تُدفع بالدولار الـ«فريش» مقابل 60% بالليرة. وهي تواصلت مع المستشفيات المعنية طالبة منها الدفع وفق هذه الصيغة (40/60)، إلا أنه كانت ثمة «استحالة بسبب الأوضاع الصعبة التي تعاني منها المستشفيات»، على ما يقول رئيس عمليات معالجة النفايات المعدية في الجمعية مارك كرم. حتى الآن، توصل الجمعية تغطية أكلاف الفرم والتعقيم «من خلال علاقاتها والعمل على بعض المشاريع الداعمة». ولكن، هل تكفي جمعية واحدة للقيام بهذه المهمة؟
في المبدأ، تجمع «آركنسيال» 85% من النفايات الطبية من المستشفيات، بمعدل 12 طناً يومياً تُحضرها إلى مراكز المعالجة التابعة لها لفرمها وتعقيمها تمهيداً لإرسالها إلى المطامر. وفي هذا السياق، يلفت كرم إلى حيازة الجمعية على إذن خاص من مجلس الإنماء والإعمار لطمر النفايات الطبية المعقمة في المطامر المتوافرة. لكن، هل «ينفع» الطمر مع كل أنواع النفايات الطبية؟
بحسب أنواع النفايات الطبية التي تخرج من المستشفيات (نحو 12 طناً يومياً) والمختبرات ومراكز الأشعة وعيادات أطباء الأسنان وغيرها (4 آلاف طن يومياً)، فإن الطمر ليس آخر المطاف. إذ ثمة نفايات طبية لا يمكن طمرها. وتوضح سمر خليل، الأخصائية في الإدارة البيئية، أن 75% من النفايات التي تخرج من المستشفيات هي أقرب إلى النفايات المنزلية متل بقايا الأكل والورق وغيرها، إلا أن هناك نسبة 25% هي «بيت القصيد». إذ إنها نفايات خطرة ومعدية وتتسبب بأمراضٍ ما لم يتم التعامل معها بطريقة علمية.

لا توجد تقنية متوافرة للتعامل مع العلاجات الكيميائية التي تنتهي في المطامر


ومن بين هذه الـ25%، هناك 20% «نفايات خطرة ومعدية لأنها ملوثة بدم المرضى أو بسوائل من أجسامهم، وهي تعالج بالفرم والتعقيم ومن ثم الطمر وفق مواصفات صحية معينة، أو الحرق. وهو ما تفعله آركنسيال ومعمل فرم النفايات الطبية في منطقة العباسية في الجنوب وبعض المستشفيات الجامعية». أما الـ5% المتبقية، فتضم الأدوية المنتهية الصلاحية والمواد الكيميائية المستخدمة في المختبرات والأدوية التي لم تستهلك بكاملها والأدوية والمواد المضادة لنمو السرطان. وهذه كلها لا تخضع لمنطق المعالجة نفسه، إذ «إنها لا تطمر ولا تحرق». بل تُعالج بعدد من الأساليب، منها الترحيل استناداً لاتفاقية بازل التي تحدد مسار التحكم في حركة النفايات الخطرة عبر الحدود والتخلص منها. وتحت هذا البند، تتحدث خليل عن قيام بعض شركات الأدوية باسترداد أدويتها المنتهية الصلاحية من المستشفيات والمراكز الصحية والصيدليات وترحيلها، وكذلك تولي بعض المستشفيات ترحيل النفايات الكيميائية والأدوية المنتهية الصلاحية وغيرها مما يسهل تسفيره، إضافة إلى حرق ما يمكن حرقه بعد فرمه وتعقيمه. أما المشكلة الأكبر، فهي في النفايات الناتجة عن المواد المضادة لنمو السرطان، مثل العلاجات الكيميائية، فهذه الأخيرة «تحتوي على نوعين من النفايات الكيميائية والبيولوجية لكونها اختلطت بدم المريض أو السوائل في جسمه، وبالتالي لا يمكن ترحيلها، ولا تخزينها لفترة طويلة، ولا معالجتها وفق التقنية التي تعتمدها أركنسيال عن طريق التعقيم بالحرارة والبخار، أو بالحرق كما في بعض المستشفيات، بل تحتاج إلى تقنيات متطورة تعمل على معالجتها قبل حرقها».
أمام هذا الطريق المسدود، فإن ما يجري اليوم هو أن جزءاً من النفايات الطبية، والكيميائية منها تحديداً، «عم يروح ع الزبالة العادية. عم ينطمر وينكب بالمكبات بلا أدنى مراعاة للشروط الصحية». علماً أن هذه أزمة عالقة عمرها من عمر أزمة النفايات، «ولا أحد يعرف ماذا يحدث ما بعد الرمي أو الطمر»، لأنه، في لبنان، «لا توجد إدارة للنفايات الخطرة، ولا وجود لمخطط يلحظ النفايات الطبية حصراً»، على ما تقول خليل.