لم تصمد مدرسة 123 Autism School الخاصة بالأطفال المصابين بطيف التوحد أمام الأزمات المتلاحقة، فأغلقت أبوابها في وجه 12 طالباً متوحداً، في وقت تنازع «زميلاتها» من المدارس التي تعنى بأطفال التوحد، والتي تعدّ على أصابع اليد، من أجل البقاء.

وفيما يعجز كثير من الأهالي عن تسديد الأقساط المرتفعة لهذه المدارس لما تحتاجه من نظام تعليمي خاص وفريق كامل من الاختصاصيين والتربويين، لم تستقبلهم جمعيات التوحد المهددة بالإفلاس أساساً في ظل تقاعس وزارة الشؤون الاجتماعية عن دعمها وانعدام التبرعات و«اختفاء» المتبرعين. وعليه، حُكم على الأطفال المصابين باضطراب التوحد بـ«الحبس» في منازلهم و«سلبهم» المهارات التي اكتسبوها بعد عناء طويل، لتقول «الدولة» كلمتها أمام هؤلاء: «لا مكان لكم».
في أيلول 2019، أسّست ساريتا طراد، والدة الطفل سركيس المصاب بطيف التوحد، مدرسة 123 Autism School لأطفال التوحد. بعد نحو شهر، اندلع حراك 17 تشرين الأول، لتتوالى الأزمات بعدها، من تسكير طرقات وصعوبة الوصول إلى المدرسة، إلى انتشار وباء كورونا وفرض الحجر المنزلي، وصولاً إلى انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020 والضرر الذي لحق بالمدرسة. «كافحت لسنتين وسط كل هذه الظروف الصعبة ولم أقفل المدرسة»، تقول طراد. لكن، منذ أسبوعين، استسلمت للأمر الواقع وأقفلتها «قسراً» مع اشتداد حدة الأزمة الاقتصادية، والعجز عن تحويل رسوم العقد بالدولار الذي أبرمته المدرسة مع مركز «نيو إينغلاند» للتوحد في بوسطن لمدّها ببرنامج تعليمي أميركي. أضف إلى ذلك «أننا، كأي مؤسسة في لبنان، نعاني من ارتفاع صرف الدولار مقابل الليرة، وبالتالي غلاء كلفة تشغيل المدرسة، وانقطاع الكهرباء وهو ما لا يتحمله أطفال التوحد، وتدني أجور العاملين وصعوبة وصولهم إلى المدرسة في ظل أزمة المحروقات».
ليست 123 Autism School المدرسة الوحيدة الخاصة بأطفال التوحد في لبنان كما أشيع في وسائل إعلامية بالتزامن مع قرار إقفالها، لكنها «الوحيدة التي تقدم برنامجاً تعليمياً أميركياً بإشراف أميركي قائم على أساس برنامج تحليل السلوك التطبيقي ABA المثبت علمياً لدعم الأفراد من ذوي اضطراب طيف التوحد وتعليمهم مهارات وسلوكيات جديدة». اليوم، هناك 12 طفلاً متوحداً ينتظرون في منازلهم «معجزة» تعيد فتح المدرسة، أما طراد فكما هاجرت قبل عشر سنوات لتوفر لابنها بيئة حاضنة له لم تجدها في لبنان، «لم يبقَ أمامها سوى خيار العودة إلى الخارج».
لاحظت طراد تأثر ابنها جرّاء مغادرة المدرسة والتغيير الحاصل في نظام حياته، «أجده ضائعاً ولا يدرك ما الذي يجري من حوله، كما لاحظت تغييراً سلبياً في سلوكياته»، علماً أنها تتابع تعليمه في المنزل على يد اختصاصيي المدرسة. فكيف ستكون حالة أطفال التوحد ممن لا يتلقون المتابعة اللازمة من قبل معالج نفسي واختصاصي في تقويم النطق والحسي حركي؟ تقول رئيسة الجمعية اللبنانية للتوحد أروى الأمين حلاوي إن «عدم قدرة كثير من الأهالي على تسديد كلفة الأقساط المرتفعة في مدارس التوحد يزيد الضغط على الجمعيات التي تقدم خدماتها مجاناً لغير الميسورين». فهل يعني ذلك النزوح إلى جمعيات التوحد؟ «كلا، لأن الجمعيات تعاني من التحديات ذاتها ولا تجد الدعم المطلوب من وزارة الشؤون الاجتماعية ومن المتبرعين»، وفق حلاوي التي تأسف لأنها غير قادرة على استقبال أطفال جدد، إذ «تردنا طلبات تسجيل من حوالى ثلاثة أطفال كل شهر، وهو ما لا نستطيع استيعابه لأنه يتطلب زيادة في فريق العمل باعتبار أن كل طالب يحتاج إلى معلمة خاصة به».