ما إن يأذّن الفجر، حتى يبدأ مزارعو الورد في قصرنبا وبعض قرى غربي بعلبك بقطاف الأطباق الزهرية الصغيرة الفواحة. أفراد العائلة بمساعدة العمّال، يتشاركون في قطاف الورد من الحقول المترامية ما بين جرد وواد و «جُلُول» مستصلحة شديدة الانحدار، وحتى في حاكورة وفناء بعض المنازل. تتسارع وتيرة القطاف كلما اقترب موعد شبك الشمس أشعتها مع سفوح السلسلة الغربية، حتى لا يفقد الورد كثافة عطره وقبل أن يزاحمهم النحل لامتصاص رحيقها.


حتى نهاية الشهر الجاري، ينشط عمّال الورد في قصرنبا وتمنين الفوقا ومزرعتي الضليل وبيت صليبي. مستوى برودة أو دفء الطقس، هو ما يحدد بدء القطاف ما بين نيسان وأيار. في قصرنبا التي تعد المنتج الأول للورد في غربي بعلبك، دخلت في كرنفال الورد منذ أيام قليلة. حوالي مئة عائلة تعتمد بشكل رئيسي على الورد كمورد رزق سنوي. أولئك ينتجون سنوياً ما بين 3 إلى 6 أطنان يومياً.

إلا أن متعة القطاف سرعان ما تتبدد بعد تبدد الرزق بين أيدي التجار الذين يفرضون أسعار متدنية لا توزاي كلفة الانتاج وتعب المزارعين. جشع التجار من أبناء البلدة وخارجها يتحكم بالمزارعين. يفرض التجار عليهم السعر الذي يناسبهم. وفي حال رفضوا، يهددونهم بتلف الورد في حال لم يجد مشتر في الحال. لا يبقى أمام المزارع المغلوب على أمره سوى الرضوخ لابتزاز التجار. أم حسين، إحدى مزارعات الورد، تستعرض معاناتها وزملائها. السيدة الخمسينية تزرع حقلها الممتد على خمس دونمات. «العائلة التي لا تستفيد من إنتاجها بالتصنيع، تطلع من المولد بلا حمص».

أحد ناشطي القطاع، كمال الديراني، لفت لـ«الأخبار» إلى أن مزارعي الورد في قصرنبا وزميلاتها متروكون لجهودهم الفردية. «الدولة لم تعر قطاع الورد أي أهمية لا زراعياً ولا تجارياً ولا حتى صناعياً، ليقتصر القطاع على مبادرة العائلات الفردية وشبكة علاقاتهم».

حالياً، يتراوح سعر كيلو الورد ما بين 10 إلى 13 ألف ليرة. بحسب المزارع علي السيد أحمد، فإن ازدهار زراعة الورد في قصرنبا والجوار «خلق مجموعات من التجار في ظل غياب التعاونيات والإدارات الحكومية المعنية سواء بالزراعة أم الصناعة أو التجارة».

بعض العاملين طوّر في مهنته وتحرر من تحكم التجار. اتجه للاستفادة من انتاج الورد في التصنيع من ماء الورد إلى المربيات وللتداوي بها من رمد العيون وحساسية الجلد واستخدامها في التجميل.



كثر أنشأوا شبكة علاقات مع أصحاب متاجر الحلويات ومحال تركيب وبيع العطور من دون المرور بالتجار. تشير الناشطة غيدا الديراني، إلى أن 20 في المئة من انتاج بلدة قصرنبا يصنع في البلدة، في مقابل 80 في المئة يبيعه التجار إلى معامل لتصنيعه. «هناك فارق بين الانتاج البيتي لماء الورد وبين الصناعي. ربات المنازل اللاتي يملكن كركات نحاسية أو ستانلس يصنعن بأنفسهن ماء الورد البيتي ويسترزقن ببيع العبوات إلى اقارب وزبائن ومغتربين، وإلى متاجر حلويات لا يثقن بماء الورد الصناعي».

في مزرعة بيت صليبي، لا يختلف الامر كثيراً عن قصرنبا لجهة احتكار التجار وارتباط مزارعي البلدة الصغيرة بتجار قصرنبا أيضاً، مع فارق انتاج أقل. إلا أن جهود أحد أبناء البلدة أثمر تأسيس «جمعية تعاونية لتصنيع المقطرات في مزرعة بيت صليبي»، في محاولة لتطوير القطاع ونقله من إطار المبادرات الفردية إلى العمل التعاوني.

«الكركة»: الورد للحلوى والتجميل والعلاج

«الكركة» النحاسية تكاد تكون الوعاء التراثي الوحيد الذي يفخر أبناء قصرنبا باقتنائه لارتباطه الوثيق بتراث الآباء والاجداد واهتمامهم بزراعة الورد. زهراء سيد أحمد ورثتها عن جدتها لأمها ولا تزال حتى اليوم تستعملها لتقطير الورد والزهر. «العروس» تتمم الكركة في عملية التقطير. «الكركة» النحاسية توضع فوق النار و"العروس" وعاء اسطواني الشكل يوضع داخل المياه الباردة للتقطير. توضح زهراء لـ"الأخبار" أن من يتقن تقطير الورد في منزله، يدرك مدى دقة العملية التي تمتد ما بين 4 إلى 6 ساعات، وتحديد كمية الورد والماء، «لأن ذلك يلعب دوراً رئيسياً في نسبة كثافة ماء الورد». عملية التقطير تبدأ بوضع الورد داخل الكركة على نار هادئة، مع غطاء على شكل قبة، مقفل بإحكام، ومنها أنبوب يتكفل بنقل البخار المتصاعد باتجاه «العروس» ذات الجرن المغمور بالمياه الباردة والتي تسمح للبخار بتحويله إلى ماء ورد مقطر. وتؤكد احمد أن عملية الغليان تتوقف عند الحصول على كمية الورد التي تعادل 80 في المئة من وزن الورد الموجود في الكركة «لأن استمرار الغليان ينتج ماء ورد خفيف قابل للتلف وخال من الجودة».


(الأخبار)

تتنوع استعمالات ماء الورد ما بين شرائه للتداوي من رمد العيون وحساسية الجلد بالإضافة إلى استعماله في تصنيع أنواع محددة من العطور وبعض الكريمات ولتحضير أنواع متعددة من الحلويات العربية والعصائر والمربيات.