يُعتبر عيد الأم اليوم «ميزان السنة» لمزارعي الأزهار في لبنان. «إنه مؤشر ربحنا أو خسارتنا للعام كله»، يقول أوليفر منصور. في خيمته الزراعية في العدوسية (قضاء صيدا)، وقف صباحاً يحتفل بالعيد وبالربح الذي حقّقه بعد بيع إنتاجه من الأزهار إلى تجار الجملة ومحالّ البيع بالمفرق.


البلدة التي تُسمّى «بلدة الأزهار»، تنفّست الصعداء هذا الموسم بعد عام من الخسائر الباهظة التي راكمت الديون على معظم أبنائها المنخرطين في زراعة الزهور منذ بداية التسعينيات. قبل عام 2019، كانت البلدة وحدها قادرة على تلبية حاجة السوق اللبناني إلى أنواع الزهور من الجوري إلى السوفيل، بحوالى 60 في المئة. لكنّ الاضطراب الاقتصادي الذي شهده لبنان في العامين الأخيرين، أنقص النسبة إلى 30 في المئة بعد تحوّل نصف مزارعي الأزهار إلى الخُضر التي لا غنى عنها في السلة الاستهلاكية، بخلاف الكماليات كالزهور.

هذا العام، وبرغم الأزمة الاقتصادية وضيق القدرة الشرائية وارتفاع أسعار الزهور كما سائر المنتجات، فإن مزارعي العدوسية باعوا إنتاجهم بربح قُدر بـ25 في المئة بالمقارنة مع معدّل أرباحهم في السنوات الماضية. في الشكل، ذلك الرقم قليل، لكنه جيّد جداً بالمقارنة مع الحالة العامة والكساد الذي شهدوه في عيد الأم الماضي بسبب بداية الإقفال العام بسبب فيروس «كورونا» واضطراب سعر صرف الدولار.

ما اختلف هذا العام، بحسب منصور، هو أن كثيراً من الناس «فكّوا عزلتهم من كورونا وتعايشوا مع ارتفاع الأسعار». إلا أن العامل الرئيسي الذي سمح لهم بتصريف إنتاجهم، هو توقّف استيراد الزهور بنسبة فاقت السبعين في المئة. الأمر الذي «أجبر التجار على شراء إنتاجنا المحلي الذي فرض استهلاكه فقدان الدولار الطازج من أيدي المستوردين»، قال منصور.

يضطر مزارعو الأزهار إلى أن يرضوا بالربح القليل، هذا إن تحقق، بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار في ظل ارتباط معظم مراحل قطاعهم بالعملة الصعبة. «كل شغلنا بالدولار ما عدا العامل باللبناني»، يقول المهندس الزراعي محمد الشريف. الأخير صاحب مشتل لبيع الزهور والشتول بالجملة والمفرق في العدوسية. أهم موسمين للبيع لديه على مدار العام: عيد الأم، حين يقبل كثيرون على شراء شتول زينة كهدايا لأمهاتهم، وبداية الربيع حين يقبل البعض على شراء الشتول الموسمية لزراعتها.

قدّر الشريف نسبة حركة البيع اليوم وفي الأيام التي سبقت عيد الأم بتراجع 50 في المئة عن حركة الأعوام الماضية. يعيد السبب إلى ارتفاع الأسعار التي «أجبرنا على زيادتها في مقابل تراجع القدرة الشرائية». يبرر رفع الأسعار بارتفاع سعر صرف الدولار والتلف الذي يلحق 50 في المئة من البضاعة كمعدل وسطي. على سبيل المثال، شتلة عرف الديك «كنا نبيع الأربع منها بدولار واحد سابقاً من ضمنها الوعاء البلاستيكي ومحسّن التربة والشتلة. أخيراً، صرنا نبيع الشتلة الواحدة بألفين و250 ليرة كسعر جملة».

الزيادة لحقت أنواعاً أخرى كانت منتشرة بسبب سعرها الرخيص، كالجيرانيوم التي «كنا نبيع منها 25 ألف شتلة سابقاً. هذا الموسم اشترينا من المستورد 12 ألف شتلة لم نبع إلا القليل منها. فقد كان سعر الواحدة منها 70 سنتاً بسعر الجملة، أي ما يعادل ألفاً و500 ليرة سابقاً». سوف يظل الدولار يتحكّم بقطاع الأزهار في لبنان. «لسنا قادرين على الاستغناء عن استيراد البذور والشتول من الخارج. ليست لدينا مختبرات تهجّن البذور محلياً أو مصانع Issue culture التي تنتج شتولاً جديدة من الشتلة الأم»، بحسب الشريف. وحذّر الأخير من زيادة التضخّم: «حالياً نحن نفتح كرفع عتب. لكن كلّما زاد سعر صرف الدولار، اتجهنا إلى الإقفال».