«كنت كتير ضايعة»، تقول نور، طالبة الإدارة في "LAU". اختارت ابنة الثمانية عشر عاماً السير خلف ميلها للعمل المكتبي بدوام محدّد وانجذابها لعالم الأعمال على المغامرة في مجال لا يستهويها، مع بقاء الهجرة خياراً في حال تدهور الأوضاع الاقتصادية. في المجال ذاته، يتخصّص قاسم، (محاسبة وتدقيق مالي)، في الجامعة اللبنانية. الطالب الراغب بالبقاء في لبنان مهما كانت الظروف، قرّر عدم الاكتراث لسيناريوات المستقبل المُربكة. أمّا مروى، فانطلقت من تعدّد فرص العمل في مجال التغذية لتختاره كاختصاص في جامعة "LIU"، مؤكدة أن المعايير لم تنحصر فقط في ميلها الشخصي. لكن، وكخطة بديلة، ستعتمد أيضاً على خيار الهجرة.

إلى ما قبل انتفاضة 17 تشرين، بلغ عدد طالبي العمل في لبنان 50 ألفاً سنوياً، ولا سيّما من خرّيجي الجامعات، فيما لا يوفّر سوق العمل سوى 3 آلاف فرصة سنوية. إزاء هذا الواقع، ونتيجة لعوامل مختلفة، لم يكن صادماً أن يبلغ عدد العاطلين عن العمل 203 آلاف شخص تقريباً وفق مسح للقوى العاملة والأوضاع المعيشية أجرته إدارة الإحصاء المركزي عام 2018 - 2019. لكن اللافت هو ترافق ارتفاع معدّل البطالة لدى الشباب مع ارتفاع مستواهم التعليمي، إذ يتخطّى عدد العاطلين بين حملة الشهادات الجامعية الـ 35%.

(هيثم الموسوي)

تتعدّد عوامل عجز استيعاب سوق العمل للكمّ الهائل من الخرّيجين، أبرزها عدم التجانس بين مهاراتهم والمتطلبات الوظيفية المعروضة نتيجة النقص في التوجيه التعليمي الحقيقي، الرسمي والخاص. وغالباً ما يُترك طلاب المرحلة الثانوية بلا حصانة معرفية كافية أمام التحدي الأصعب في اختيار التخصّص المناسب الذي سيحدّد ملامح مستقبلهم. إذا كان هذا هو الوضع ما قبل الأزمة الاقتصادية المستفحلة، فما هي الحال بعد مرور سنة على دخول لبنان أزمته الاقتصادية التي تحتّم جهداً أكبر يتناسب وتحديات المرحلة الجديدة؟
منذ سنوات عدة، تعتمد الجامعة الأميركية على مكتب توجيه لمساعدة الطلاب، مع دراسة جدوى للبنان والمنطقة بحسب الاختصاصات وتوجّهات أسواق العمل المحلية والعالمية كل 5 سنوات. أي إن التقنية متّبعة منذ ما قبل الأزمة، وليست مخصّصة بالتحديد لمواكبتها. تؤكد مديرة مكتب التقييم والبحث المؤسساتي، كرمه الحسن، أن الجامعة «لن تسمح للوضع الاستثنائي بالتأثير في القرارات المصيرية». وترى أن «التركيز على مهارات وقدرات ومعلومات القرن الواحد والعشرين، كمهارات الحياة والتواصل شفهياً وكتابياً وإلكترونياً والعمل ضمن الفريق وحلّ المسائل والتفكير النقدي، التي تشكل 40% من المنهج في كلّ الاختصاصات، ستساعد الطالب على إنقاذ نفسه». وتنصح الطلاب بالعمل وإن باختصاص مختلف، على اعتبار أن أي خبرة مفيدة لحين الاستقرار، لافتة إلى أن ثلث طلاب «الأميركية» يهاجرون سنوياً.
من جانبه، يلفت رئيس قسم الماجستير في إدارة الأعمال في «الجامعة اللبنانية الأميركية» (LAU) ربيع نعمة، إلى غياب التوجيه الموحّد: «كل أستاذ جامعي يوجّه انطلاقاً من رؤيته للأزمة»، مشيراً إلى أنه ينبّه طلاب المال والبنوك من أن التغيير الحاصل قضى على فرص العمل في اختصاصهم وصعّب على طلاب الإدارة العمل كـ«رائدي أعمال» (intrepreneur) بعد التخرّج مباشرة كما كانوا يطمحون نتيجة تعوّدهم على المجتمع الريعي.
أمّا الأستاذ في كلية التربية في الجامعة الأميركية أنيس الحروب، فينبّه إلى أن «المبادرة مسحوبة من المؤسسات التعليمية، التي تعيش مرحلة ردة الفعل وتحديها الكبير الحفاظ على استمراريتها بأقلّ الأضرار الممكنة». من جهته، ينطلق الأستاذ في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية إبراهيم حيدر، من الغياب الكلي للتوجيه الذي سهّل على الجامعات برمجة اختصاصاتها بما يتناسب وأسواق العمل الخارجية، وتحديداً الخليجية التي فقدت القدرة على استيعاب هذا الكم من الخرّيجين. ويشدد على أن «الأولوية في مكان آخر، فهناك تواطؤ على الربح بين النظام السياسي والإدارة، تغيب معه الرعاية الاجتماعية، فأصبح التركيز على دفع الأقساط وكيفية تخطي الجامعات للأزمة المالية».
مشكلة هذا العام، برأي مدير «المركز الإسلامي للتوجيه والتعليم العالي»، علي زلزلي، تكمن في توجّه الطلاب نحو الاختصاصات الأقل كلفة، بمعزل عما إذا كان السوق يحتاج إليها أم لا. وهو يستبعد وجود اختلافات عن السنوات الماضية على صعيد توزّع طلاب هذا العام الدراسي على الاختصاصات. ويردّ السبب إلى ضعف التوجيه والوعي المهني.

إعادة هيكلة الاقتصاد... والجامعات
يعزو الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي غسان ديبة المشكلة إلى أن «الاقتصاد اللبناني يعيش صدمة كبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية والمالية العميقة التي أثّرت بشكل كلّي وقطاعي في سوق العمل، فتراجعت قطاعات أساسية كالسياحة والأعمال والقطاع المصرفي، فضلاً عن صعوبة التوظيف في القطاع العام في ظل الظروف الراهنة». ويكمن الحل «في نموذج اقتصادي يُخرجنا من الأزمة الاقتصادية البنيوية، من خلال انتهاج سياسات تستثمر في الاقتصاد المنتج كالصناعة والزراعة والقطاعات التكنولوجية الجديدة والذكاء الاصطناعي. وبالتزامن، على الجامعات أن تنتج مهارات جديدة تتوافق وهذا الشكل مع الاقتصاد». لكن ذلك كله «بحاجة إلى تدخل من الدولة نحو سياسة اقتصادية جديدة»، مشدّداً على ضرورة الاهتمام بالتعليم المهني والتقني ليزداد تدريجياً الطلب على هذا النوع من اليد العاملة بأجور مرتفعة مع خلق الاقتصاد المُنتج للوظائف.
تواطؤ على الربح بين النظام السياسي والإدارة جعل التركيز على دفع الأقساط وكيفية تخطي الجامعات للأزمة المالية


يتبنى نعمة النظرة ذاتها، وكذلك حيدر الذي يتحدّث عن أزمة مركّبة تستدعي إعادة هيكلة في الجامعات نفسها لإعادة ترتيب الاختصاصات التي يمكن تجزئة بعضها.
تختلف نظرة الخبيرة الاقتصادية والأستاذة الجامعية ليال منصور، للمرحلة، إذ تعتبر أن «الخطط المستقبلية لا تُبنى في ظل الأزمة الاقتصادية، كونها الحالة المؤقتة لا الدائمة وأرقامها غير معبّرة». بيد أن منصور، المدافعة عن قطاع الخدمات على اعتبار أنه «المدخل الرئيس للدخل لمعظم دول العالم بتماشيه مع العصر والعولمة»، تشكو من انعدام دراسات حاجات السوق، محمّلة وزارتَي التربية والعمل مسؤولية «غياب خطة تربوية وطنية»، وتقول: «الطلاب مدركون أن الهجرة مصيرهم».
يدعو زلزلي، بدوره، إلى إقرار خطة نهوض تربوية توجيهية وطنية واضحة الآفاق لفترة زمنية متوسطة، مشتركة بين وزارات الصناعة والتربية والصحة والأشغال، تعتمد على دراسة وقراءة الاحتياجات المستقبلية، وفي أحد جوانبها تعيد رسم الخارطة المهنية للاختصاصات وتفصيلها من جديد بالتوازن مع خطة اقتصادية جديدة.

وزارة التربية
تشكو مديرة وحدة التوجيه والإرشاد في وزارة التربية هيلدا خوري، من أن ثمة «اختصاصات كثيرة يحتاج إليها سوق العمل اللبناني، لا يختارها الطلاب». وتشدّد على ضرورة التعاون «مع المؤسسة العامة للاستخدام ووزارة العمل في هذا المضمار. وتلفت خوري إلى أحد المشاريع التوجيهية التي تتابعها الوزارة هذا العام، وهو مشروع «كتابي»، الذي لا يزال في بداية مسار تجريبي، بالتعاون مع الـ"usaid"، وتسعى الوزارة في تضمينه المنهج التربوي. ويشمل المشروع خضوع التلميذ لتجربة العمل والتعايش مع المهنة لعدد من الأيام خلال العام الدراسي الثانوي الأخير.
في المحصّلة، فإن طرق التوجيه التي اعتُمدت مع طلاب العامين الدراسيين الحالي والماضي توضح أن لا شيء تغيّر. الدولة متخلّية بالكامل عن دورها، فيما الجامعات الخاصة منهمكة بمعاركها «الوجودية». تركّز على دفع الأقساط وكيفية تخطي أزماتها المالية، واحدة تدولر أقساطها وأخرى تقرّشها على سعر صرف يضمن لها أرباحاً لا تقبل بأقلّ منها.



التعليم المهني مهجور... ويركّز على الخدمات أيضاً!
من بين أكثر من مليون طالب، ينضم 80 ألفاً فقط إلى الاختصاصات المهنية، 45 ألفاً منهم طلاب بكالوريا فنية. وشأنهم شأن الطلاب الجامعيين يتجه العدد الأكبر منهم نحو قطاع الخدمات الريعي. ففي وقت تجذب المحاسبة والمعلوماتية 10 آلاف طالب، يتخصّص في الصناعات الغذائية 52 فقط، رغم وجود 900 معمل تصنيع غذائي في لبنان.
في البيع والعلاقات التجارية: 1600 طالب، الفندقية/ إنتاج: 3300، التربية الحضانية: 5300. تنخفض الأرقام بشكل ملحوظ عندما نتحدث عن اختصاصات كصيانة المصانع: 22 طالباً، والكهرباء الصناعية: 31، أمّا الميكانيك الصناعي فيضم 441 طالباً.
تجدر الإشارة إلى غياب كلي لأي اختصاص متعلّق بقطاع النفط ومهاراته، وكذلك غياب صيانة المعدّات الطبية، في مرحلة الامتياز الفني.


ماذا يدرس طلّاب لبنان؟
يحصد فرع الاقتصاد والاجتماع العدد الأكبر من طلاب المرحلة الثانوية: ما يقارب 20 ألف خرّيج سنوياً. يليه علوم الحياة مع 12 ألفاً، فالعلوم العامّة 6 آلاف، وتبقى الإنسانيات الأقل جذباً حيث لا يتعدى خرّيجو الفرع الألفي طالب.
وفق إحصاءات المركز الوطني للبحوث والإنماء، بلغ عدد الطلاب الجامعيين 206 آلاف طالب، انتسب 71 ألفاً (32%) منهم إلى الجامعة اللبنانية، وتوزّع الـ135 ألفاً (60%) الباقون على الجامعات الخاصة.
على صعيد الاختصاصات، نلحظ هوّة كبيرة في توزّع الطلاب. ففي حين تُخرّج كليات الآداب والعلوم الإنسانية والفنون 35 ألف طالب، 20 ألفاً منهم من الجامعة اللبنانية، يقارب عدد خرّيجي إدارة الأعمال الـ 50 ألفاً، أي حوالى ربع طلاب لبنان.
ويرد في إحصاءات المركز التربوي للبحوث والإنماء لعام 2017- 2018 أن ثاني أكبر عدد من طلاب الجامعات تستقطبهم اختصاصات إدارة الأعمال والعلوم المالية المصرفية والاقتصاد، بعد الحقوق والعلوم السياسية. إذ يبلغ عددهم 7291 طالباً في «اللبنانية» فيما لم يتخطّ طلاب العلوم التكنولوجية الـ1045.
وبينما يرتفع عدد طلاب الهندسة والعلوم التكنولوجية على صعيد لبنان إلى حدود 29 ألفاً، تضم اختصاصات الطب والصحة والوقاية الاجتماعية والصيدلة والتمريض نحو 17 ألف طالب.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا