ثمّة صورة نمطية مكرّرة في حكايات طفولتنا عن جدّات يحكن بصنّاراتهن كنزات الصوف للأحفاد، بينما يروين لهم القصص الخرافية. هكذا ارتبطت الأشغال اليدوية بالجدّات، كأنّ أحداً لم يتقنها سواهنّ. وهي «صنعة» كانت، في السنوات القليلة الماضية، معرّضة للانقراض، لولا أن «النوستالجيا» أعادت الطلب على المشغولات اليدوية، وأعادت الى هذه المشغولات ألقاً كان قد خبا. هكذا، عادت أشغال الـ«هاند مايد» لتلاقي رواجاً كبيراً، وتجتذب فئات عمرية شابة وجدت فيها وسيلة لكسب العيش، فحوّلتها من هواية إلى مهنة ومصدر دخل، خصوصاً لما يتميز به هذا العمل من إمكان القيام به من المنزل.

مع انهيار الأوضاع الاقتصادية والمالية، تلقّى هذا القطاع، شأنه شأن القطاعات المنتجة على قلتها، ضربة قاصمة نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، ما انعكس ارتفاعاً صاروخياً في كلفة المواد الأولية المستوردة بمعظمها. هكذا، خسر كثيرون مورد عيشهم الوحيد، أو مورداً رديفاً كان يُعينهم في تأمين متطلبات الحياة.
فاتن غشام (55 عاماً) واحدة ممن خسروا المعركة أمام الدولار، بعد سبع سنوات من العمل في التطريز وفنّ الكروشيه. اليوم، «بات الوضع تعيساً جداً». تستفيض فاتن في شرح التغيرات التي طرأت: «كنا نشتري كبكوب الصوف بـ 5000 ليرة، فصرنا نشتريه بـ 15 ألفاً. وتارات التطريز التي كان سعر الواحدة منها بـ 3000 ليرة صارت اليوم بـ 17 ألفاً». يأتي الزبائن، لكنهم يُفاجأون بالأسعار الجديدة، فـ«بيقولوا أوكي... وبيختفوا». الحرفة التي باتت تستهلك الكثير من الوقت «لم تردّ التعب حتى»، لذلك عدّلت فاتن في عملها، «صرت أعمل تارات صغيرة وكروشيه بسيطاً لا يحتاج إلى الكثير من المواد الأولية الباهظة الثمن».


«الدولار خرب بيوت الناس ومنهم بيتي»، تقول إيمان حرفوش (54 سنة) التي تعتمد على «الصنارة» لإعالة أسرتها منذ عشر سنوات. «قبل ضربة الدولار، كان المردود جيداً، وكانت لديّ زبونات، واشتركت في كثير من المعارض». أما اليوم، «فلا عمل ولا مردود». وإذا ما توافر زبائن، «أطلب منهم أن يشتروا الخيطان من أي نوعية يشاؤون وآخذ أنا أجرة يدي فقط». تفعل ذلك، كي لا يتوقف عملها. وكذلك يفعل محمد خليفة (52 سنة) الذي يعيل بناته الثلاث من عمله في صنع سلال القش. ما يفعله اليوم هو «التسكيج، مع ارتفاع سعر كيلو القش إلى نحو 100 ألف ليرة». مع تدهور الأحوال، تواصل مع وزارة الشؤون الاجتماعية... من دون جدوى. يحاول بعض أصدقائه دعمه عبر تسويق أعماله ووضعها في محالّهم، لكن «اليوم مين بالو بالقش؟».
يختلف الأمر قليلاً بالنسبة إلى ملاك فقيه (26 سنة)، الشابة القادمة إلى عالم التطريز من الهندسة. شجّعها ما وجدته من اهتمام في الخارج بهذا المجال، ولا سيما في أوروبا وآسيا. ما كان مجرد هواية صار عملاً تسعى ملاك إلى تحويله إلى «براند»، وليس مجرد مشروع صغير غير منظّم. صعوبات هذا المجال أمام ملاك لا تختلف عما يعانيه كل مشتغل في الحرفيات، فهذا قطاع مهمل ولا شيء من المواد الأولية يمكن إيجاده بسهولة، لأننا بلد غير صناعي»، إلى جانب صعوبات أخرى منها أن «الهجمة الكبيرة على هذا النوع من العمل أنتجت نصف مواهب وكثيراً من التقليد ورخصاً في الأسعار بسبب المنافسة غير المجدية». تصف ملاك هذا الأمر بـ«الانتحار، لأنني أعرف أسعار المواد المستعملة والجهد المبذول». لهذا كلّه، فضّلت سحب مُنتَجاتها من السوق اللبناني إلى الخارج «خصوصاً أن البقاء في البلد يجعل من المستحيل تطوير عمل يرتكز في المقام الأول على الإبداع».
خسر كثيرون مورد عيشهم الوحيد، أو مورداً رديفاً كان يُعينهم في تأمين متطلّبات الحياة


رغم كل التشاؤم، ثمّة فرصة ذهبية للنهوض بالقطاع الحرفي عبر خلق سياسة استراتيجية، تبدأ أولاً بنقل «نقابة الحرفيين والمصنّعين التقليديين» إلى وزارة ذات صلة وهي وزارة السياحة، كما يشير رئيس النقابة، زاهر رضوان، لافتاً إلى أن النقابة «تقدّمت بطلب منذ 8 أشهر لنقلها من وزارة الشؤون الاجتماعية إلى وزارة السياحة، وتحديداً إلى دائرة التنمية الريفية والشباب كونها تهتم بالسياحة الداخلية والتنمية، لكن لا استجابة حتى الآن من الوزير رمزي مشرفية». رضوان يشدّد على «أننا لا نريد دعماً مالياً بل دعماً بالقوانين وتسهيلات وتخصيص زوايا لنا في المعارض التي ترعاها الدولة، وخلق أسواق للحرفيين داخل البلد وخارجه، خصوصاً أن منتجاتنا اليوم باتت أكثر قدرة على المنافسة نظراً إلى رخص اليد العاملة اللبنانية التي لم تُدولر بعد رغم أن المواد الأولية بالدولار». الفرصة مؤاتية، لكن مَن يلتفت؟

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا